" تلك الليلة كانت مختلفة كثيرا عن كل الليالي الاخرى ، ليلة ممطرة ، عاصفة ، مخيفة و رهيبة ...
السماء ملبدة بالغيوم الرمادية الداكنة التي أخفت بلونها الشاحب و القاتم ، ضوء القمر المنير و بريق النجوم الكثيرة التي زينت وجه السماء ، حيث تسابق فيها وميض البرق مع هزيم الرعد ، مكونان ملحمة كونية وسيمفونية مرعبة شاشة عرضها : السماء ، وجمهورها : البشر وجميع الكائنات الحية ..
غير ان هذه السيمفونية العظيمة لم تكن مفزعة بقدر سيمفونيات البشر المدمرة ، فأنت اختر أيها الانسان من اكثر رعباً لك : ان تنام على ألحان الرعد المجلجل والبرق الساحر ؟ ام تنام على أصوات المدافع المدوية والصواريخ الساحقة و اصوات الانفجارات و زخات الرصاص الماطرة من كل حدب و صوب ؟
ولكن رغم الحروب المستمرة و الدمار ، القتل والأسر - الذي اعتدنا عليه في كل مرة يقتحم العدو حاراتنا وقرانا ومدننا - ما يزال الناس متمسكين بهذه الحياة الفانية كما يتمسك الغريق بحبل نجاته ..
فها نحن ننجب المئات من الأطفال كل يوم ، والعدو يقتل منا الآلاف ... وكإن كثرة الاطفال الفقراء والمرضى والمشردين من من لم يجدوا أهاليهم اللقمة لاطعامهم وسد رمقهم ، والماء لري عطشهم ، و عدم استطاعتهم تعليمهم و تثقيفهم ، هو الحل للإنتصار على العدو الصهيوني الغاشم .
بعد توقف القصف على مدينة القدس لبضع سويعات ، استطاعت سيارات الإسعاف نقل عدد قليل من الجرحى الى مستشفيات المدينة المحتلة ، وقد تسارع الناس أيضا لإنقاذ عدد يسير من الجرحى والشهداء والاغراض المهمة التي دفنتها الانقاض تحتها ...
وقد تعالت الصرخات في كل أحياء المدينة المحتلة ، صرخات كانت يائسة ، بائسة ، متحشرجة ، مصحوبة بأنين خافت و دموع مكتومة واخرى غزيرة ، ساخنة على الوجنات تبردها دعوات الناس المترفعة ..
كان القصف قد طال كل النواحي والقرى والحارات ، من ضمنها حارة السعدية : الحارة الاسلامية التي كانت وما زالت تحتفظ في احشائها الداخلية ، شهداء وأئمة وذاكرة لم يمسها غبار الزمن ، هذه الحارة التي لا تزال وعلى مر العصور متمسكة بجمال ازقتها الضيقة والتي سجلت ذكرى مرور الغزاة عليها تباعاً كانهم غبار ، واشتهارها بمساجدها العتيقة ذات الجدران الحجرية الثقيلة ، وشعبها الباسل الذي حارب الغزو بكل ما اوتي من قوة فلم تستطع اسرائيل زلزلته ..
فجأة تعالت من أحد المنازل الصغيرة ، صيحة جهورة يخالطها الالم والشقى من افواه احدى النساء التي كانت تنتظر عودة زوجها بفارغ الصبر ، فقد غادرها بعلها حاملا سلاحه ليلحق مع من رحل من رجال الحارة ليذودوا عن حِمى المدينة ، لكنه تأخر ولم يعد حتى بعد توقف القصف ، أرادت الخروج للتبحث عنه وتسأل ، رغم محاولات ام زوجها لمنعها ، غير انها لم تتجاوز باب الدار حتى شعرت بألم كبير في بطنها المنتفخة ، فأطلقت صرخات متتالية وهي تشد على بطنها ، وقد علمت ان وقت ولادتها قد حان بعد ان رأت الماء ينساب منها ، ولأن الألم كان شديد عليها ، لذا لم تسعفها قدميها على الوقوف أكثر فتهاوت قرب باب المنزل والقت بثقل جسدها على الارض الاسمنتية الخشنة في الحوش المكشوف ، والمطر قد بلل جسدها وملابسها ..
هرعت إليها خالتها ( ام زوجها ) يلحقها طفل صغير في السادسة من عمره ، يطالع والدته الممدة على الارض بذعرٍ بالغ ..
حاولت الام العجوز حمل المرأة الحامل او زحزحتها من مكانها لكنها لم تستطع ذلك ، وبسبب قلقها الكبير لم تعرف ماذا تفعل ، لذا أسرعت نحو جارتها تاركة زوجة ابنها تحت المطر المنهمر ، متبللة ، متوجعة ، صارخة ، وصغيرها يراقبها بنظرات خائفة ، مرتعبة ، قلقة ، دون ان يعلم ما علتها ..
صدفة عاد زوجها ليجدها بهذا الحال المزري ، فهرع اليها وهو يصرخ :
- منيرة ، منيرة !
ليحملها بعد ذلك متوجها الى احدى الغرف الصغيرة ذات الاثاث المهترئ ، قام بوضعها بهدوء على السرير الحديدي ذو الصرير المزعج ... بينما عادت امه مع الجارة ترافقهم امرأة عجوز ذات بشرة سمراء متغضنة تكسوها التجاعيد التي تفنن الزمن في رسمها عليها ، كانت هذه المرأة : القابلة وهي التي قامت بتوليد نصف نساء الحارة ...
ساعة عصيبة قضاها الزوج في تلك الصالة المستطيلة ، يذرعها روحة و غدوة ، مستمعاً الى صراخ زوجته خلف باب الغرفة القابعة في نهاية الصالة ، والعرق يتصبب منه دون ان يتوقف لسانه عن ذكر بعض آيات الذكر الحكيم والادعية التي من شأنها ان تساعد زوجته وتسهل من ولادتها ...
حتى انه لفرط خوفه نسي ان يخلع حذائه المشبع بالطين ، مسببا الكثير من البقع الطينية على السجاد الاحمر ، وبينما هو كذلك ، تذكر امراً ما فهرول مسرعاً الى الخارج ليجد الكلاشينكوف خاصته ما زالت مسنودة على الجدار ، فقد أزاحها من على ظهره قبل ان يحمل زوجته ، مخافة ان يؤذيها دون عمد منه ...
قام بوضعها في مكانها المعتاد ، معلقا إياها على الجدار بواسطة حزام غليظ ، ليقلقه تلك الصخرة التي اطلقتها زوجته مسببة له فزعة كادت ان تفلت منه كلاشينكوفه لتقع على قدمه ..
لحق تلك الصرخة بدقائق معدودة ، بكاء طفل صغير فلم يستطع مقاومة دموعه وسعادته فخر ساجدا على الارض شاكراً وحامداً خالقه ..
وقد خرجت والدته حاملة بيدها طفله الصغير ذا البشرة الحنطية السمراء تقدمه لولدها وهي تبارك له وتقبله على جبهته ، جاعلة دموعها تتهاوى على جبين ولدها ...
قام هو بالأذان في اذن ولده يتبعه قبلة صغيرة على رأسه الرقيق ليناوله بعد ذلك الى امه ، ويهرع نحو زوجته ليحتضنها بشوق شديد ، وقلق واضح ، وسعادة غامرة ، دون ان يهتم لوجود جارته و القابلة اللاتي يراقبن الزوج العاشق باعجاب مثير ..
اعادت امه الطفل لابنها ولزوجته ، وذهبت لتوديع القابلة وشكرها واعطائها حقها ، ثم عادت بعد ذلك الى الابن والزوجة تسألهم عن اسم الرضيع ..
دخل عليهم طفلهم الاخر ذو السادسة وهو يرمق اخيه الرضيع بنظرات فضولية متسائلة ، لكنه لم ينطق بكلمة بل فضل الصمت ، الا انه بعد ان سمعهم يتناقشون حول اسم الرضيع ، تدخل صارخا بعناد طفولي ماطاً شفتيه :
- مجدي ، اسموه مجدي ، صديقي ايضا كان اسمه مجدي ..
وقد وافق الجميع على هذا الاسم الجميل الذي اختاروه للطفل الصغير ليكون اسمه الكامل ( مجدي يعقوب الكيالي )
انا ..
كانت هذه القصة راسخة في مخيلتي كغيرها من القصص التي حكتها لي جدتي قبيل وفاتها مراراً وتكراراً خاصة بعد مرضها الذي جعلها طريحة الفراش فلم تعد تقوى على فعل شيء سوى اخبارنا بالقصص انا واخي ، وهذه القصة تحديدا من أكثر القصص المفضلة لديها فقد رزقها الله في ذلك اليوم حفيداً صغيراً اكتمل بولادته عدد اسرتها السعيدة
( رحمك الله يا امي الكبيرة ، واسكنك فسيح جناته ) "
توقفت عن الكتابة وانا أشعر بالامتنان كثيرا لاخي الكبير ( شاهين ) ولجدتي ولوالداي ، ولم استطع ان اخفي ابتسامتي التي لازمتني طوال وقت الكتابة وانا استعيد تلك الذكريات الجميلة..
عندما كبرت علمت سبب اختيار شاهين لهذا الاسم ، فقد أخبرتني امي ان صديق اخي في الحارة كان اسمه مجدي وقد انتقل مع اسرته الى مدينة غزة فحزن اخي حزنا كبيرا لرحيل رفيقه الصغير ، وهذا ما دفعه لكي يختار لي هذا الاسم ، لانه كان يريد ان يجعلني صديقه الوحيد وهذا حقاً ما حدث بعد ذلك ، ربما لم اكن لأسعد حقا لو اختار لي اسما غير مجدي ، فهو يرضيني فعلا ويعجبني ...
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق