" اذا كان ماضيك تجربة
فاجعل الغد معنى و رؤيا
لنذهب , لنذهب الى غدنا واثقين
بصدق الخيال ومعجزة العشب "
محمود درويش
عشت طفلاً مدللاً مغناج رغم المحن العصيبة التي كنا نتعايشها آنذاك ، بعد ان صرت في السادسة من عمري ، كانا والداي و جدتي سعيدان جدا بي باعتباري آخر العنقود ، و لم اكن افهم وقتها ما يدور من حولي ، احتلال ، صهاينة ، حروب ، انفجارات ، دماء واشلاء ، اسرى وشهداء ، ما زلت في ثوب البراءة والنقاء الطفولي ، جل همي هو اللعب واللهو ، ان اذهب كل يوم للقفز في البركة القريبة من منزلنا ، ان اسابق كلاب الحارة الشرسة ، حيث كنا انا واخي واولاد الحي نقوم بمضايقتهم و رمي الحجر عليهم لنجدهم قد صاروا خلفنا يودون لو يمسكوا باحدنا ليمزقوا جلده ويقتلعوا لحمه ، و صوت نباحهم يصل الى نهاية طريق الحارة ، ان اخترق مع اخي شاهين بستان جارنا المخيف ذا الشاربين الغليظين والملتويين ابو فراس ، لنلتقط الزيتون المتناثر على وجه الارض بعد نضوجه ، او نقطف التفاح الاخضر والفواكه الاخرى المزروعة بعد جهد وتعب و شقاء يضنيان روح الفلاح المتهالكة ، احيانا كنا ننجو بفعلتنا واحيانا تلتقطنا عيناه الثاقبة و هو في طريقه للفلاحة رغم اختبائنا خلف الاشجار ، كان يرمينا باقذع الالفاظ وهو يركض وراءنا ثم يشكو امرنا الى أبانا و جدتنا ، وعندما نعود الى المنزل مساءا ، نجدهم باستقبالنا ، يضربنا والدي و تنهرنا والدتي ، اما جدتي فطريقة عقابها تختلف ، لم تكن تضربنا مثل أبي ، ولا تصرخ علينا وتقوم بتحذيرنا كما تفعل امي ، بل كانت تشد اذنينا وتلويها ثم تأمرنا ان نغسل ملابسنا بانفسنا ، كم كنا ننزعج ونتذمر ، احيانا كنا نقسم ان لا نفعل ذلك ونتمنى لو تقوم بضربنا فقط ، دون الحاجة لمثل هذا العقاب ، لكن السيدة شارون لم تكن تكتفي بذلك ، فهي تحرمنا الطعام والشراب حتى تسدل السماء ستارة دجنتها ، فنضطر حينها ان نخضع لعقابها التعسفي هذا ... وهكذا دواليك ..
ثم جاء اليوم الذي تغير فيه شعوري ،اليوم الذي حملت فيه والدتي بالاخ الثالث ، كان قد صار عمري 8 سنوات ، و بعد ان كنت اباهي اصدقائي بانني الاصغر والمدلل ، اصبحت بعدها مصدر سخرية لهم ..
كنت يومها عائد من المدرسة وانا أحمل الشهادة في يدي واكاد ان اطير من شدة سعادتي فلم تكن الارض تسع مدى بهجتي ، فقد حصلت على اعلى العلامات في جميع المواد الدراسية واصبحت الطالب المتميز الاول في الصف ، دخلت الى المنزل واسرعت نحو غرفة والدتي لابشرها وانال على قبلها و حضنها الدافئ الطويل ، غير انني تفاجئت قبل ان اطرق الباب بصوت والدي الذي كان يخبرها :
- بالتأكيد سيفرح الاولاد ان عرفوا انكِ حامل وستضعين مولودٌ ثالث ، تحديدا صغيرنا فأخيه قد شب عوده وصرت احتاجه اكثر من احتياج مجدي له ولابد له من اخ ثالث ..
لا أعلم كيف اصف شعور قلبي حينئذ ، ولم اشعر الا و دموعي الغزيرة هي من تتحدث نيابة عني والتي لم استطع كفها عن النزول ، فقد شعرت بحاجتي الملحة لها ، احسست ان والداي قد خدعاني وغدرا بي ، كيف لهم ان يساوموا على مشاعري و يقايضوني كسلعة رخيصة بطفل اخر ، هرعت مسرعا الى الخارج لا اعلم اين تأخذني قدماي ، فقط اجري و اجري و لا ادري اين سأذهب ، حتى توقفت بعد 5 دقائق تقريبا ، لاجد نفسي في بستان ابا فراس ، اسندت ظهري على شجرة زيتون لاجلس القرفصاء دافناً رأسي بين ساقيّ ، ونبضات قلبي تتسارع بينما شهقاتي ترتفع وشهادتي وضعتها بقربي ، وقد تمنيت لو اني استطيع تمزيقها او ان اقوم بحرقها ، لكني توقفت فجأة عن البكاء وانا ارى ان هناك ما يحجب الضوء من الوصول الي ، لافاجئ بعد رفع عينيّ بجثة ضخمة تقف امامي ، و رغم اني كنت حزين و ضعيف الا انني لن انكر تلك الرعشة التي سرت داخل جسدي من رؤية ابا فراس يقف امامي ، لو لم اكن محاصر ولا فائدة من محاولة الهرب لتركت شهادتي حتى انجو بنفسي ، الا انه فاجئني عندما ابتسم لي وجلس امامي يخلل اصابعه بشعري ، ثم ناولني تفاحة و غادر ، لشدة صدمتي احسست بثقل في لساني ولم استطع ان اشكره وقتها ، ورغم ذلك لم استطع كتم فضولي وتسائلت : هل تعاطف معي فقط لانه شاهد دموعي ؟ و هل علي ان ابكي دائما لانال عطف الناس و والداي ؟ وان كان الناس يتعاطفون مع كل طفل يبكي فلماذا لم يتعاطفوا مع اطفال فلسطين وهي تبكي و تناشد العالم أجمع ان يمنعوا اذى اسرائيل عنهم لكن دون جدوى ، فقد جفت ضمائرهم وما جفت دموع الابرياء !!
مرت الاشهر و ازداد حجم بطن امي وما زلت حانق عليها لا اكلمها هي و ابي ، اما اخي فقد تجاوز الرابعة عشر من عمره ، واصبح منشغلا دوما بدراسته او بمرافقة أبي ، لم اكن أعلم ولا افهم اين كانا يذهبان معا وهما يرتديان تلك الكوفية الحمراء و الملابس السوداء التي تثير خوفي منهما و عليهما ، لم يكونا يجيباني عندما اسأل احدهما : الى أين ؟
لقد تغير أخي كثيرا لم يعد يتحدث معي ولا يلعب معي ولم يعد يرافقني الى اماكننا المعتادة ، بدأت اشعر بالوحدة و الملل حقا ، ارى امي مهتمة ببطنها فقط ، والدي مشغول بما يسمى مقاومة ، اخي مشغول باعمال لا يريد اخباري بها او اطلاعي عليها ، جدتي بدأت صحتها بالتدهور فهي تشعر بالتوعك دوماً ، تغير كل شيء من حولي ولم تعد طفولتي مشوقة ..
اتذكر في احدى المرات لشدة شعوري بالوحدة المميتة جلست على سطح المنزل دون ان اعلم عائلتي أين اختفيت في ذلك المساء ، كنت اسمع اصواتهم القلقة وهم يبحثون عني حول ارجاء المنزل وبين ثناياه يتسائلون اين يمكن ان اختفي ...
لقد سمعت صوت والدتي التي كانت اشدهم قلقاً و توتراً وهي تتحسر و تندب و خائفة علي ، وقتها ابتسمت وقد تسطحت على ظهري و انا اطالع النجوم واقول في نفسي : " هل عرفتِ قيمتي الان "
الا ان قدوم اخي الى السطح قطع علي لحظة خلوتي مع نفسي ، لم يقل شيئا ولم يصرخ او يغضب ، ربما هو أكثر من يفهمني في هذا المنزل الموحش ، جلس بجانبي وقد مرت دقائق معدودة دون ان ينبس بكلمة حتى سألته :
- شاهين ؟
- اممممممم !
- ليش مابدك تقلي لوين عم تروحوا انت و ابوي ؟
حول بصره علي وهو يبتسم بحزن كبير لا يناسب عمره الصغير ولا براءة سيمائه ، ثم التفت وهو يزفر بضيق ليقول :
- بقدرش اجاوبك هلئ ، انا وعدت ابونا انو ما بخبرك ، صدقني بكرا بس تكبر رح تفهم لحالك كل اشي يا جوجو ..
( جوجو ) لطالما احببت كل اسم يطلقه علي اخي ، كنت اشعر انه يظهر حبه لي من خلال مناداتي باسم جوجو ، حتى ان معلميني و زملائي في المدرسة اعتادوا ان ينادوني بهذا الاسم عندما اقبل الى صفي مرة ليأخذني ونعود الى المنزل ، قال الى استاذي :
- بعتذر منك استاذ بس بدي اخوي جوجو لنرجع سوا للبيت ، مافيني اتركو يرجع وحدو ..
******
بعد 4 اشهر توفيت جدتي العزيزة ، كان فقدانها سبب آخر يجعلني افرط في حزني و تزداد وحدتي فيما بعد ، لكن لم نتخطى الشهرين على وفاتها حتى عوضنا الله بشخص آخر ربما لن يملأ مكانها ، لكن على الاقل سيسده ، فقد وضعت امي مولوداً جديداً وهذه المرة لم يكن اخا بل كانت اختا صغيرة جميلة ، ذات بشرة حنطية ناعمة و خدود بلون الزهر تأسر قلب كل من يشاهدها لاصبح انا مسؤول عنها و صديقها المقرب ، حتى بلغت الثمانية سنوات ، عندها كررت خطأ اخي دون ان انتبه لذلك ، فقد أهملتها كثيرا ، وانشغلت بدراستي وقد صار أبي يأخذنا انا وأخي الشاب اليافع ذا الاثنين والعشرين من العمر للتدريب معه ومع اغلب فتيان الحي المقاربين لعمري وكذلك الشباب بعمر أخي ...
لقد علمت وقتئذ لما صار أخي بذلك الجمود و البرود ولما اختفى بريق البراءة من عينيه ليحل محله بريق حاد و نظرات شرسة ، مخيفة ، فقد سرقت الحرب طفولته وبراءته ، و كان لابد لي ان اصبح مثله ، ان اتخلى عن كل ما يخص طفولتي لاتحول الى رجل صغير يقاتل من أجل استرداد وطنه من ايدي مغتصبيه ...
لكن لا أحد يخطو على هذا الطريق الوعر دون ان يدفع الثمن الباهض ، هكذا هي الحرب وهذا قانونها الثابت ...
******
في احد ايام رمضان المبارك كنت جالساً مع عائلتي ، ونحن نتحدث عن الموضوع الاهم والوحيد الذي يشغل بال كل فلسطيني داخل الوطن و خارجه ، فاشتد النقاش حول سؤال عميق طرحه أبي خلال زفيره المتشاؤم ، كان السؤال متكون من كلمتين فقط الا ان الرد عليه يحتاج الى سنوات من التفكير و التخطيط ( ماذا بعد ؟ ) صمتنا جميعا دون رد حتى تخلل صمتنا رد اخي القاطع والذي وافقته عليه الا انني صدمت بردة فعل والداي وكانه اهانهما بهذا الجواب فاكتفيت بالصمت :
- خلينا نترك البلاد ، مالنا مستقبل هون
صرخت به والدتي بعد ان وجهت له ضربة صاعقة على خده :
- العمى بقلبك يا ولد ايش عم تقول انت ؟
لينتفض غاضباً و يصرخ بوجهها تحت ذهولنا :
- ليش شو حكيت انا ، قلت الحقيقة الي مو راضين لحد هلا تقتنعو فيها ، احكيلك شي كلمة ياابوي
فترد امي بغضب أكبر :
- اخرس وانقلع من وجهي مابدو يحكي معك بس تتعلم كيف تحترم وطنك وقتا نحكي معك الحق عليا ماعرفت كيف ربيك ..
وقد غادر أخي المنزل ولم يعد حتى وقت المساء ولم يتبقى سوى دقائق معدودة على الأذان ، قالت لي وقتها وهي تشعر بالندم :
- كني قسيت عليه ، الله يشل حنكي
، طابختله (ورق دوالي) وهو كتير بحب هالاكلة ومابتحلا القعدة الا معو ..
اخبرتها وانا احاول طمئنتها :
- ما تشغلي بالك يما ، اكيد شوي و بيرجع
ثم حان وقت الافطار وشاهين لم يأتي بعد ، شعرت بالجوع الكبير فأخبرتها انني ساساعدها بتحضير الافطار وان لا تقلق عليه فهو حتما سيعود فليس لديه مكان اخر ، ليفطر فيه ، لكنها طلبت مني ذلك :
- ماما الله يرضى عليك حط الاكل بقيان خمس دقايق ، و خلينا ننتظر اخوك شوي كمان ..
وقد فعلت كما أمرتني الا انه لم يعد أيضا فاستسلمت وهي تخبرني بضيق صبر :
- طيب حط الصحون وهلئ ان شاء الله بعد شوي رح يجي ، الله يحميه يارب...
ارتفع صوت الاذان في حارتنا وكذلك لم يعد أخي ، بعد ان انتهينا من تأدية صلاة المغرب جلسنا جميعا حول المائدة ، الا ان امي لم تستطع ان تضع لقمة واحدة في فمها ، وعندما ارادت ان تبدأ الاكل ، لفت انتباهنا صدفة خبر عاجل في التلفاز :
( اشتباك مفاجئ بين مجموعة من الثوار الفلسطيني ، وبين قوات عديدة من الاحتلال الصهيوني قرب مسجد الاقصى ، راح ضحيته 5 شباب ، و قد نقلوا فورا الى المستشفى العام لمدينة القدس )
رأيت والدتي قد انزلت اللقمة دون تذوقها ، ثم قامت برفع يدها وضعتها على قلبها لتقول بصوت مهموس :
- شاهين !
رد عليها أبي بتعجب :
- شو مالو شاهين ، لسة ما اجى .
قالت بنفس الطريقة :
- في شي مش منيح .
الا اننا لم نهتم ، طلب منها والدي ان تهدأ وان لا تدع هذه الافكار المشؤومة تسيطر على عقلها ، لكنها رغم ذلك لم تستطع ان تأكل شيئا اكتفت بشرب الماء و اللبن فقط ، بعد عشر دقائق ، افزعنا صوت طرقات الباب الشديدة والمتكررة ، نهضت انا لافتح الباب ، وما فاجئني رؤيتي لمراد صديق شاهين وهو يرتدي ملابس المقاومة السوداء وقد أنزل الكوفية لتتضح لي معالمه ، كان يبكي ويتلعثم وهو يحاول ان يقول شيء لي و لكنه لم ينجح ، عندها أيقنت و آمنت ان هناك شيئا خطيرا فعلا ، ثم قال لي وقد حاول التظاهر بالقوة والتماسك في آن واحد :
- انا بعتذر عن هالخبر بس شاهين توفى و الله يتقبلوا من الشهداء ، اخذناه عالمستشفى ، إنّ لله وإنّ اليه راجعون ..
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق