الأربعاء، 17 مايو 2017

الفصل الثاني

" اذا كان ماضيك تجربة
فاجعل الغد معنى و رؤيا
لنذهب , لنذهب الى غدنا واثقين
بصدق الخيال ومعجزة العشب "
محمود درويش

عشت طفلاً مدللاً مغناج رغم المحن العصيبة التي كنا نتعايشها آنذاك ، بعد ان صرت في السادسة من عمري ، كانا والداي و جدتي سعيدان جدا بي باعتباري آخر العنقود ، و لم اكن افهم وقتها ما يدور من حولي ، احتلال ، صهاينة ، حروب ، انفجارات ، دماء واشلاء ، اسرى وشهداء ، ما زلت في ثوب البراءة والنقاء الطفولي ، جل همي هو اللعب واللهو ، ان اذهب كل يوم للقفز في البركة القريبة من منزلنا ، ان اسابق كلاب الحارة الشرسة ، حيث كنا انا واخي واولاد الحي نقوم بمضايقتهم و رمي الحجر عليهم لنجدهم قد صاروا خلفنا يودون لو يمسكوا باحدنا ليمزقوا جلده ويقتلعوا لحمه ، و صوت نباحهم يصل الى نهاية طريق الحارة ، ان اخترق مع اخي شاهين بستان جارنا المخيف ذا الشاربين الغليظين والملتويين ابو فراس ، لنلتقط الزيتون المتناثر على وجه الارض بعد نضوجه ، او نقطف التفاح الاخضر والفواكه الاخرى المزروعة بعد جهد وتعب و شقاء يضنيان روح الفلاح المتهالكة ، احيانا كنا ننجو بفعلتنا واحيانا تلتقطنا عيناه الثاقبة و هو في طريقه للفلاحة رغم اختبائنا خلف الاشجار ، كان يرمينا باقذع الالفاظ وهو يركض وراءنا ثم يشكو امرنا الى أبانا و جدتنا ، وعندما نعود الى المنزل مساءا ، نجدهم باستقبالنا ، يضربنا والدي و تنهرنا والدتي ، اما جدتي فطريقة عقابها تختلف ، لم تكن تضربنا مثل أبي ، ولا تصرخ علينا وتقوم بتحذيرنا كما تفعل امي ، بل كانت تشد اذنينا وتلويها ثم تأمرنا ان نغسل ملابسنا بانفسنا ، كم كنا ننزعج ونتذمر ، احيانا كنا نقسم ان لا نفعل ذلك ونتمنى لو تقوم بضربنا فقط ، دون الحاجة لمثل هذا العقاب ، لكن السيدة شارون لم تكن تكتفي بذلك ، فهي تحرمنا الطعام والشراب حتى تسدل السماء ستارة دجنتها ، فنضطر حينها ان نخضع لعقابها التعسفي هذا ... وهكذا دواليك ..

ثم جاء اليوم الذي تغير فيه شعوري ،اليوم الذي حملت فيه والدتي بالاخ الثالث ، كان قد صار عمري 8 سنوات ، و بعد ان كنت اباهي اصدقائي بانني الاصغر والمدلل ، اصبحت بعدها مصدر سخرية لهم ..

كنت يومها عائد من المدرسة وانا أحمل الشهادة في يدي واكاد ان اطير من شدة سعادتي فلم تكن الارض تسع مدى بهجتي ، فقد حصلت على اعلى العلامات في جميع المواد الدراسية واصبحت الطالب المتميز الاول في الصف ، دخلت الى المنزل واسرعت نحو غرفة والدتي لابشرها وانال على قبلها و حضنها الدافئ الطويل ، غير انني تفاجئت قبل ان اطرق الباب بصوت   والدي الذي كان يخبرها :
- بالتأكيد سيفرح الاولاد ان عرفوا انكِ حامل وستضعين مولودٌ ثالث ، تحديدا صغيرنا فأخيه قد شب عوده وصرت احتاجه اكثر من احتياج مجدي له ولابد له من اخ ثالث ..

لا أعلم كيف اصف شعور قلبي حينئذ ، ولم اشعر الا و دموعي الغزيرة هي من تتحدث نيابة عني والتي لم استطع كفها عن النزول ، فقد شعرت بحاجتي الملحة لها ، احسست ان والداي قد خدعاني وغدرا بي ، كيف لهم ان يساوموا على مشاعري و يقايضوني كسلعة رخيصة بطفل اخر ، هرعت مسرعا الى الخارج لا اعلم اين تأخذني قدماي ، فقط اجري و اجري و لا ادري اين سأذهب ، حتى توقفت بعد 5 دقائق تقريبا  ، لاجد نفسي في بستان ابا فراس ، اسندت ظهري على شجرة زيتون لاجلس القرفصاء دافناً رأسي بين ساقيّ ، ونبضات قلبي تتسارع بينما شهقاتي ترتفع وشهادتي وضعتها بقربي ، وقد تمنيت لو اني استطيع تمزيقها او ان اقوم بحرقها ، لكني توقفت فجأة عن البكاء وانا ارى ان هناك ما يحجب الضوء من الوصول الي ، لافاجئ بعد رفع عينيّ بجثة ضخمة تقف امامي ، و رغم اني كنت حزين و ضعيف الا انني لن انكر تلك الرعشة التي سرت داخل جسدي من رؤية ابا فراس يقف امامي ، لو لم اكن محاصر ولا فائدة من محاولة الهرب لتركت شهادتي حتى انجو بنفسي ، الا انه فاجئني عندما ابتسم لي وجلس امامي يخلل اصابعه بشعري ، ثم ناولني تفاحة و غادر ، لشدة صدمتي احسست بثقل في لساني ولم استطع ان اشكره وقتها ، ورغم ذلك لم استطع كتم فضولي وتسائلت : هل تعاطف معي فقط لانه شاهد دموعي ؟ و هل علي ان ابكي دائما لانال عطف الناس و والداي ؟ وان كان الناس يتعاطفون مع كل طفل يبكي فلماذا لم يتعاطفوا مع اطفال فلسطين وهي تبكي و تناشد العالم أجمع ان يمنعوا اذى اسرائيل عنهم لكن دون جدوى ، فقد جفت ضمائرهم وما جفت دموع الابرياء !!

مرت الاشهر و ازداد حجم بطن امي وما زلت حانق عليها لا اكلمها هي و ابي ، اما اخي فقد تجاوز الرابعة عشر من عمره ، واصبح منشغلا دوما بدراسته او بمرافقة أبي ، لم اكن أعلم ولا افهم اين كانا يذهبان معا وهما يرتديان تلك الكوفية الحمراء و الملابس السوداء التي تثير خوفي منهما و عليهما ، لم يكونا يجيباني عندما اسأل احدهما : الى أين ؟
لقد تغير أخي كثيرا لم يعد يتحدث معي ولا يلعب معي ولم يعد يرافقني الى اماكننا المعتادة ، بدأت اشعر بالوحدة و الملل حقا ، ارى امي مهتمة ببطنها فقط ، والدي مشغول بما يسمى مقاومة ، اخي مشغول باعمال لا يريد اخباري بها او اطلاعي عليها ، جدتي بدأت صحتها بالتدهور فهي تشعر بالتوعك دوماً ، تغير كل شيء من حولي ولم تعد طفولتي مشوقة ..

اتذكر في احدى المرات لشدة شعوري بالوحدة المميتة جلست على سطح المنزل دون ان اعلم عائلتي أين اختفيت في ذلك المساء ، كنت اسمع اصواتهم القلقة وهم يبحثون عني حول ارجاء المنزل وبين ثناياه يتسائلون اين يمكن ان اختفي ...
لقد سمعت صوت والدتي التي كانت اشدهم قلقاً و توتراً وهي تتحسر و تندب و خائفة علي ، وقتها ابتسمت وقد تسطحت على ظهري و انا اطالع النجوم واقول في نفسي : " هل عرفتِ قيمتي الان "

الا ان قدوم اخي الى السطح قطع علي لحظة خلوتي مع نفسي ، لم يقل شيئا ولم يصرخ او يغضب ، ربما هو أكثر من يفهمني في هذا المنزل الموحش ، جلس بجانبي وقد مرت دقائق معدودة دون ان ينبس بكلمة حتى سألته :
- شاهين ؟
- اممممممم !
- ليش مابدك تقلي لوين عم تروحوا انت و ابوي ؟
حول بصره علي وهو يبتسم بحزن كبير لا يناسب عمره الصغير ولا براءة سيمائه ، ثم التفت وهو يزفر بضيق ليقول :
- بقدرش اجاوبك هلئ ، انا وعدت ابونا انو ما بخبرك ، صدقني بكرا بس تكبر رح تفهم لحالك كل اشي يا جوجو ..

( جوجو ) لطالما احببت كل اسم يطلقه علي اخي ، كنت اشعر انه يظهر حبه لي من خلال مناداتي باسم جوجو ، حتى ان معلميني و زملائي في المدرسة اعتادوا ان ينادوني بهذا الاسم عندما اقبل الى صفي مرة ليأخذني ونعود الى المنزل ، قال الى استاذي :
- بعتذر منك استاذ بس بدي اخوي جوجو لنرجع سوا للبيت ، مافيني اتركو يرجع وحدو ..

******

بعد 4 اشهر توفيت جدتي العزيزة ، كان فقدانها سبب آخر يجعلني افرط في حزني و تزداد وحدتي فيما بعد ، لكن لم نتخطى الشهرين على وفاتها حتى عوضنا الله بشخص آخر ربما لن يملأ مكانها ، لكن على الاقل سيسده ، فقد وضعت امي مولوداً جديداً وهذه المرة لم يكن اخا بل كانت اختا صغيرة جميلة ، ذات بشرة حنطية ناعمة و خدود بلون الزهر تأسر قلب كل من يشاهدها لاصبح انا مسؤول عنها و صديقها المقرب ، حتى بلغت الثمانية سنوات ، عندها كررت خطأ اخي دون ان انتبه لذلك ، فقد أهملتها كثيرا ، وانشغلت بدراستي وقد صار أبي يأخذنا انا وأخي الشاب اليافع ذا الاثنين والعشرين من العمر للتدريب معه ومع اغلب فتيان الحي المقاربين لعمري وكذلك الشباب بعمر أخي ...

لقد علمت وقتئذ لما صار أخي بذلك الجمود و البرود ولما اختفى بريق البراءة من عينيه ليحل محله بريق حاد و نظرات شرسة ، مخيفة ، فقد سرقت الحرب طفولته وبراءته ، و كان لابد لي ان اصبح مثله ، ان اتخلى عن كل ما يخص طفولتي لاتحول الى رجل صغير يقاتل من أجل استرداد وطنه من ايدي مغتصبيه ...

لكن لا أحد يخطو على هذا الطريق الوعر دون ان يدفع الثمن الباهض ، هكذا هي الحرب وهذا قانونها الثابت ...

******

في احد ايام رمضان المبارك كنت جالساً مع عائلتي ، ونحن نتحدث عن الموضوع الاهم والوحيد الذي يشغل بال كل فلسطيني داخل الوطن و خارجه ، فاشتد النقاش حول سؤال عميق طرحه أبي خلال زفيره المتشاؤم ، كان السؤال متكون من كلمتين فقط الا ان الرد عليه يحتاج الى سنوات من التفكير و التخطيط ( ماذا بعد ؟ ) صمتنا جميعا دون رد حتى تخلل صمتنا رد اخي القاطع والذي وافقته عليه الا انني صدمت بردة فعل والداي وكانه اهانهما بهذا الجواب فاكتفيت بالصمت  :
- خلينا نترك البلاد ، مالنا مستقبل هون

صرخت به والدتي بعد ان وجهت له ضربة صاعقة على خده :
- العمى بقلبك يا ولد ايش عم تقول انت ؟

لينتفض غاضباً و يصرخ بوجهها تحت ذهولنا :
- ليش شو حكيت انا ، قلت الحقيقة الي مو راضين لحد هلا تقتنعو فيها ، احكيلك شي كلمة ياابوي

فترد امي بغضب أكبر :
- اخرس وانقلع من وجهي مابدو يحكي معك بس تتعلم كيف تحترم وطنك وقتا نحكي معك الحق عليا ماعرفت كيف ربيك ..

وقد غادر أخي المنزل ولم يعد حتى وقت المساء ولم يتبقى سوى دقائق معدودة على الأذان ، قالت لي وقتها وهي تشعر بالندم :
- كني قسيت عليه ، الله يشل حنكي
، طابختله (ورق دوالي) وهو كتير بحب هالاكلة ومابتحلا القعدة الا معو ..

اخبرتها وانا احاول طمئنتها :
- ما تشغلي بالك يما ، اكيد شوي و بيرجع

ثم حان وقت الافطار وشاهين لم يأتي بعد ، شعرت بالجوع الكبير فأخبرتها انني ساساعدها بتحضير الافطار وان لا تقلق عليه فهو حتما سيعود فليس لديه مكان اخر ، ليفطر فيه ، لكنها طلبت مني ذلك :
- ماما الله يرضى عليك حط الاكل بقيان خمس دقايق ، و خلينا ننتظر اخوك شوي كمان ..

وقد فعلت كما أمرتني الا انه لم يعد أيضا فاستسلمت وهي تخبرني بضيق صبر :
- طيب حط الصحون وهلئ ان شاء الله بعد شوي رح يجي ، الله يحميه يارب...

ارتفع صوت الاذان في حارتنا وكذلك لم يعد أخي ، بعد ان انتهينا من تأدية صلاة المغرب جلسنا جميعا حول المائدة ، الا ان امي لم تستطع ان تضع لقمة واحدة في فمها ، وعندما ارادت ان تبدأ الاكل ، لفت انتباهنا صدفة خبر عاجل في التلفاز :
( اشتباك مفاجئ بين مجموعة من الثوار الفلسطيني ، وبين قوات عديدة من الاحتلال الصهيوني قرب مسجد الاقصى ، راح ضحيته 5 شباب ، و قد نقلوا فورا الى المستشفى العام لمدينة القدس ) 
رأيت والدتي قد انزلت اللقمة دون تذوقها ، ثم قامت برفع يدها وضعتها على قلبها لتقول بصوت مهموس :
- شاهين !

رد عليها أبي بتعجب :
- شو مالو شاهين ، لسة ما اجى .

قالت بنفس الطريقة :
- في شي مش منيح .

الا اننا لم نهتم ، طلب منها والدي ان تهدأ وان لا تدع هذه الافكار المشؤومة تسيطر على عقلها ، لكنها رغم ذلك لم تستطع ان تأكل شيئا اكتفت بشرب الماء و اللبن فقط ، بعد عشر دقائق ، افزعنا صوت طرقات الباب الشديدة والمتكررة ، نهضت انا لافتح الباب ، وما فاجئني رؤيتي لمراد صديق شاهين وهو يرتدي ملابس المقاومة السوداء وقد أنزل الكوفية لتتضح لي معالمه ، كان يبكي ويتلعثم وهو يحاول ان يقول شيء لي و لكنه لم ينجح ، عندها أيقنت و آمنت ان هناك شيئا خطيرا فعلا ، ثم قال لي وقد حاول التظاهر بالقوة والتماسك في آن واحد :
- انا بعتذر عن هالخبر بس شاهين توفى و الله يتقبلوا من الشهداء ، اخذناه عالمستشفى ، إنّ لله وإنّ اليه راجعون ..

الثلاثاء، 9 مايو 2017

الفصل الاول

" تلك الليلة كانت مختلفة كثيرا عن كل الليالي الاخرى ، ليلة ممطرة ، عاصفة ، مخيفة و رهيبة ...
السماء ملبدة بالغيوم الرمادية الداكنة التي أخفت بلونها الشاحب و القاتم ، ضوء القمر المنير و بريق النجوم الكثيرة التي زينت وجه السماء ، حيث تسابق فيها وميض البرق مع هزيم الرعد ، مكونان ملحمة كونية  وسيمفونية مرعبة شاشة عرضها : السماء ، وجمهورها : البشر وجميع الكائنات الحية ..

غير ان هذه السيمفونية العظيمة لم تكن مفزعة بقدر سيمفونيات البشر المدمرة ، فأنت اختر أيها الانسان من اكثر رعباً لك :  ان تنام على ألحان الرعد المجلجل والبرق الساحر ؟ ام تنام على أصوات المدافع المدوية والصواريخ الساحقة و اصوات الانفجارات و زخات الرصاص الماطرة من كل حدب و صوب ؟

ولكن رغم الحروب المستمرة و الدمار ، القتل والأسر - الذي اعتدنا عليه في كل مرة يقتحم العدو حاراتنا وقرانا ومدننا - ما يزال الناس متمسكين بهذه الحياة الفانية كما يتمسك الغريق بحبل نجاته ..

فها نحن ننجب المئات من الأطفال كل يوم ، والعدو يقتل منا الآلاف ... وكإن كثرة الاطفال الفقراء والمرضى والمشردين من من لم يجدوا أهاليهم اللقمة لاطعامهم وسد رمقهم ، والماء لري عطشهم ، و عدم استطاعتهم تعليمهم و تثقيفهم ، هو الحل للإنتصار على العدو الصهيوني الغاشم .

بعد توقف القصف على مدينة القدس لبضع سويعات ، استطاعت سيارات الإسعاف نقل عدد قليل من الجرحى الى مستشفيات المدينة المحتلة ، وقد تسارع الناس أيضا لإنقاذ عدد يسير من الجرحى والشهداء والاغراض المهمة التي دفنتها الانقاض تحتها ...

وقد تعالت الصرخات في كل أحياء المدينة المحتلة ، صرخات كانت يائسة ، بائسة ، متحشرجة ، مصحوبة بأنين خافت و دموع مكتومة واخرى غزيرة ، ساخنة على الوجنات تبردها دعوات الناس المترفعة ..

كان القصف قد طال كل النواحي والقرى والحارات ، من ضمنها حارة السعدية : الحارة الاسلامية التي كانت وما زالت تحتفظ في احشائها الداخلية ، شهداء وأئمة وذاكرة لم يمسها غبار الزمن ، هذه الحارة التي لا تزال وعلى مر العصور متمسكة بجمال ازقتها الضيقة والتي سجلت ذكرى مرور الغزاة عليها تباعاً كانهم غبار ، واشتهارها بمساجدها العتيقة ذات الجدران الحجرية الثقيلة ، وشعبها الباسل الذي حارب الغزو بكل ما اوتي من قوة فلم تستطع اسرائيل زلزلته ..

فجأة تعالت من أحد المنازل الصغيرة ، صيحة جهورة يخالطها الالم والشقى من افواه احدى النساء التي كانت تنتظر عودة زوجها بفارغ الصبر ، فقد غادرها بعلها حاملا سلاحه ليلحق مع من رحل من رجال الحارة ليذودوا عن حِمى المدينة ، لكنه تأخر ولم يعد حتى بعد توقف القصف ، أرادت الخروج للتبحث عنه وتسأل ، رغم محاولات ام زوجها لمنعها ، غير انها لم تتجاوز باب الدار حتى شعرت بألم كبير في بطنها المنتفخة ، فأطلقت صرخات متتالية وهي تشد على بطنها ، وقد علمت ان وقت ولادتها قد حان بعد ان رأت الماء ينساب منها ، ولأن الألم كان شديد عليها ، لذا لم تسعفها قدميها على الوقوف أكثر فتهاوت قرب باب المنزل والقت بثقل جسدها على الارض الاسمنتية الخشنة في الحوش المكشوف ، والمطر قد بلل جسدها وملابسها ..

هرعت إليها خالتها ( ام زوجها ) يلحقها طفل صغير في السادسة من عمره ، يطالع والدته الممدة على الارض بذعرٍ بالغ ..

حاولت الام العجوز حمل المرأة الحامل او زحزحتها من مكانها لكنها لم تستطع ذلك ، وبسبب قلقها الكبير لم تعرف ماذا تفعل ، لذا أسرعت نحو جارتها تاركة زوجة ابنها تحت المطر المنهمر ، متبللة ، متوجعة ، صارخة ، وصغيرها يراقبها بنظرات خائفة ، مرتعبة ، قلقة ، دون ان يعلم ما علتها ..

صدفة عاد زوجها ليجدها بهذا الحال المزري ، فهرع اليها وهو يصرخ :
- منيرة ، منيرة !
ليحملها بعد ذلك متوجها الى احدى الغرف الصغيرة ذات الاثاث المهترئ ، قام بوضعها بهدوء على السرير الحديدي ذو الصرير المزعج ... بينما عادت امه مع الجارة ترافقهم امرأة عجوز ذات بشرة سمراء متغضنة تكسوها التجاعيد التي تفنن الزمن في رسمها عليها ، كانت هذه المرأة : القابلة وهي التي قامت بتوليد نصف نساء الحارة ...

ساعة عصيبة قضاها الزوج في تلك الصالة المستطيلة ، يذرعها روحة و غدوة ، مستمعاً الى صراخ زوجته خلف باب الغرفة القابعة في نهاية الصالة ، والعرق يتصبب منه دون ان يتوقف لسانه عن ذكر بعض آيات الذكر الحكيم والادعية التي من شأنها ان تساعد زوجته وتسهل من ولادتها ...

حتى انه لفرط خوفه نسي ان يخلع حذائه المشبع بالطين ، مسببا الكثير من البقع الطينية على السجاد الاحمر ، وبينما هو كذلك ، تذكر امراً ما فهرول مسرعاً الى الخارج ليجد الكلاشينكوف خاصته ما زالت مسنودة على الجدار ، فقد أزاحها من على ظهره قبل ان يحمل زوجته ، مخافة ان يؤذيها دون عمد منه ...

قام بوضعها في مكانها المعتاد ، معلقا إياها على الجدار بواسطة حزام غليظ ، ليقلقه تلك الصخرة التي اطلقتها زوجته مسببة له فزعة كادت ان تفلت منه كلاشينكوفه لتقع على قدمه ..

لحق تلك الصرخة بدقائق معدودة ، بكاء طفل صغير فلم يستطع مقاومة دموعه وسعادته فخر ساجدا على الارض شاكراً وحامداً خالقه ..

وقد خرجت والدته حاملة بيدها طفله الصغير ذا البشرة الحنطية السمراء تقدمه لولدها وهي تبارك له وتقبله على جبهته ، جاعلة دموعها تتهاوى على جبين ولدها ...

قام هو بالأذان في اذن ولده يتبعه قبلة صغيرة على رأسه الرقيق ليناوله بعد ذلك الى امه ، ويهرع نحو زوجته ليحتضنها بشوق شديد ، وقلق واضح ، وسعادة غامرة ، دون ان يهتم لوجود جارته و القابلة اللاتي يراقبن الزوج العاشق باعجاب مثير ..

اعادت امه الطفل لابنها ولزوجته ، وذهبت لتوديع القابلة وشكرها واعطائها حقها ، ثم عادت بعد ذلك الى الابن والزوجة تسألهم عن اسم الرضيع .. 

دخل عليهم طفلهم الاخر ذو السادسة وهو يرمق اخيه الرضيع بنظرات فضولية متسائلة ، لكنه لم ينطق بكلمة بل فضل الصمت ، الا انه بعد ان سمعهم يتناقشون حول اسم الرضيع ، تدخل صارخا بعناد طفولي ماطاً شفتيه :
- مجدي ، اسموه مجدي ، صديقي ايضا كان اسمه مجدي ..

وقد وافق الجميع على هذا الاسم الجميل الذي اختاروه للطفل الصغير ليكون اسمه الكامل ( مجدي يعقوب الكيالي )

انا ..

كانت هذه القصة راسخة في مخيلتي كغيرها من القصص التي حكتها لي جدتي قبيل وفاتها مراراً وتكراراً خاصة بعد مرضها الذي جعلها طريحة الفراش فلم تعد تقوى على فعل شيء سوى اخبارنا بالقصص انا واخي ، وهذه القصة تحديدا من أكثر القصص المفضلة لديها فقد رزقها الله في ذلك اليوم حفيداً صغيراً اكتمل بولادته عدد اسرتها السعيدة
( رحمك الله يا امي الكبيرة ، واسكنك فسيح جناته )      "

توقفت عن الكتابة وانا أشعر بالامتنان كثيرا لاخي الكبير ( شاهين ) ولجدتي ولوالداي ، ولم استطع ان اخفي ابتسامتي التي لازمتني طوال وقت الكتابة وانا استعيد تلك الذكريات الجميلة..
عندما كبرت علمت سبب اختيار شاهين لهذا الاسم ، فقد أخبرتني امي ان صديق اخي في الحارة كان اسمه مجدي وقد انتقل مع اسرته الى مدينة غزة فحزن اخي حزنا كبيرا لرحيل رفيقه الصغير ، وهذا ما دفعه لكي يختار لي هذا الاسم ، لانه كان يريد ان يجعلني صديقه الوحيد وهذا حقاً ما حدث بعد ذلك ، ربما لم اكن لأسعد حقا لو اختار لي اسما غير مجدي ، فهو يرضيني فعلا ويعجبني ...