الخميس، 24 أكتوبر 2024

شخصيات الرواية

مجدي يعقوب الكيالي : استاذ جامعي من مواليد 1980 ، ولد في فلسطين في مدينة القدس بالضفة الغربية والده كان مناضل و احد القياديين في تنظيم حركة القسام والجهاد الاسلامي وقد قتل على ايدي منظمة الموساد الاسرائلية ، اما والدته منيرة رائد التميمي فقد اعتقلت وعذبت حتى الموت ، تزوج من ابنة عمه سهى بعد ان اوصاه والده عليها ، ولانها كانت يتيمة طلب منه الزواج منها ، حيث عاش الثلاثة ( هو و الدته و زوجته ) في القدس ، بعد 5 سنوات قامت اسرائيل باعتقال الكثير من الرجال والنساء عندما كانوا يزورون المسجد الاقصى و قد حدثت اشتباكات بين الجنود الاسرائليين و بين شعب الحجارة ، القت فيها القبض العديد من النساء والرجال ، وقد قامت بقتل بعضهم و اسر بعضهم وقبل ان تلقي القبض على والدته لاسرها قامت زوجته سهى بمواجهتهم و عرقلتهم و دفعهم الا انهم قاموا بقتلها و اسر والدته ، بعد سنة ايضا توفيت والدته في اقبية السجون المظلمة ، لذا غادر الى الاردن عند بيت عمته ومن الاردن سافر الى باريس حيث عينته الجامعة استاذا للاداب ، واستقر هناك لمدة 8 سنوات حتى التقى بفتاة من العراق تدعى


رحمة سلمان الشمري : طالبة من العراق تدرس في فرنسا مواليد 1993، هربت مع عائلتها الى فرنسا بسبب الطائفية التي حدثت في العراق سنة 2005 ، حيث قام بعض الافراد برمي ورقة تهديد في منزلهم كتب فيها ان يتركو منزلهم و حيهم لانهم من طائفة اخرى والا سيقتلون الجميع ، تدرس في جامعة باريس 1 قسم الأدب ، التقت في أحد الايام شابا رائع من فلسطين ، واصبح صديقها ، يخرجان معا في شوارع باريس و يمرحان ويتبادلان النقاشات الهامة حول ظروف وطنهما ، حتى دخلت الى الجامعة و اكتشفت انه استاذ جامعي في قسم الاداب ، وهنا بدأت تعجب به و تكن له الحب ، لكن ما فاجئها انه اصبح بارد معها ، لا يتحدث كثيرا او يخرج معها ، وفي اكثر من مرة يتجاهلها وهذا كان يؤلمها حقا ولا تعلم السبب الذي جعله يتصرف معها هكذا ، وبعد انتهاء الدراسة قرر والديها ان يعودا الى العراق حيث اصبحت الاوضاع امنة تقريبا ، لكنها قبل ان تعود اهدت اليه دفتر مذكراتها حيث قامت بوضع رسالة داخل ظرف في كل صفحة يقلبها ، تحدثت بها عن جراحها ومايؤلمها في وطنها ومنه ، وقد مرت 3 سنوات منذ عودتها، ولم تسمع منه شيئا ، ولم تعترف له بمشاعرها ، حتى تفاجئت في احد الايام بصدور رواية له ، وقد كانت الرواية تتحدث عن قصة حبهما الغريبة وقد علمت انه ايضا يحبها لذا سافرت اليه وتزوجا في الاردن

الأربعاء، 17 مايو 2017

الفصل الثاني

" اذا كان ماضيك تجربة
فاجعل الغد معنى و رؤيا
لنذهب , لنذهب الى غدنا واثقين
بصدق الخيال ومعجزة العشب "
محمود درويش

عشت طفلاً مدللاً مغناج رغم المحن العصيبة التي كنا نتعايشها آنذاك ، بعد ان صرت في السادسة من عمري ، كانا والداي و جدتي سعيدان جدا بي باعتباري آخر العنقود ، و لم اكن افهم وقتها ما يدور من حولي ، احتلال ، صهاينة ، حروب ، انفجارات ، دماء واشلاء ، اسرى وشهداء ، ما زلت في ثوب البراءة والنقاء الطفولي ، جل همي هو اللعب واللهو ، ان اذهب كل يوم للقفز في البركة القريبة من منزلنا ، ان اسابق كلاب الحارة الشرسة ، حيث كنا انا واخي واولاد الحي نقوم بمضايقتهم و رمي الحجر عليهم لنجدهم قد صاروا خلفنا يودون لو يمسكوا باحدنا ليمزقوا جلده ويقتلعوا لحمه ، و صوت نباحهم يصل الى نهاية طريق الحارة ، ان اخترق مع اخي شاهين بستان جارنا المخيف ذا الشاربين الغليظين والملتويين ابو فراس ، لنلتقط الزيتون المتناثر على وجه الارض بعد نضوجه ، او نقطف التفاح الاخضر والفواكه الاخرى المزروعة بعد جهد وتعب و شقاء يضنيان روح الفلاح المتهالكة ، احيانا كنا ننجو بفعلتنا واحيانا تلتقطنا عيناه الثاقبة و هو في طريقه للفلاحة رغم اختبائنا خلف الاشجار ، كان يرمينا باقذع الالفاظ وهو يركض وراءنا ثم يشكو امرنا الى أبانا و جدتنا ، وعندما نعود الى المنزل مساءا ، نجدهم باستقبالنا ، يضربنا والدي و تنهرنا والدتي ، اما جدتي فطريقة عقابها تختلف ، لم تكن تضربنا مثل أبي ، ولا تصرخ علينا وتقوم بتحذيرنا كما تفعل امي ، بل كانت تشد اذنينا وتلويها ثم تأمرنا ان نغسل ملابسنا بانفسنا ، كم كنا ننزعج ونتذمر ، احيانا كنا نقسم ان لا نفعل ذلك ونتمنى لو تقوم بضربنا فقط ، دون الحاجة لمثل هذا العقاب ، لكن السيدة شارون لم تكن تكتفي بذلك ، فهي تحرمنا الطعام والشراب حتى تسدل السماء ستارة دجنتها ، فنضطر حينها ان نخضع لعقابها التعسفي هذا ... وهكذا دواليك ..

ثم جاء اليوم الذي تغير فيه شعوري ،اليوم الذي حملت فيه والدتي بالاخ الثالث ، كان قد صار عمري 8 سنوات ، و بعد ان كنت اباهي اصدقائي بانني الاصغر والمدلل ، اصبحت بعدها مصدر سخرية لهم ..

كنت يومها عائد من المدرسة وانا أحمل الشهادة في يدي واكاد ان اطير من شدة سعادتي فلم تكن الارض تسع مدى بهجتي ، فقد حصلت على اعلى العلامات في جميع المواد الدراسية واصبحت الطالب المتميز الاول في الصف ، دخلت الى المنزل واسرعت نحو غرفة والدتي لابشرها وانال على قبلها و حضنها الدافئ الطويل ، غير انني تفاجئت قبل ان اطرق الباب بصوت   والدي الذي كان يخبرها :
- بالتأكيد سيفرح الاولاد ان عرفوا انكِ حامل وستضعين مولودٌ ثالث ، تحديدا صغيرنا فأخيه قد شب عوده وصرت احتاجه اكثر من احتياج مجدي له ولابد له من اخ ثالث ..

لا أعلم كيف اصف شعور قلبي حينئذ ، ولم اشعر الا و دموعي الغزيرة هي من تتحدث نيابة عني والتي لم استطع كفها عن النزول ، فقد شعرت بحاجتي الملحة لها ، احسست ان والداي قد خدعاني وغدرا بي ، كيف لهم ان يساوموا على مشاعري و يقايضوني كسلعة رخيصة بطفل اخر ، هرعت مسرعا الى الخارج لا اعلم اين تأخذني قدماي ، فقط اجري و اجري و لا ادري اين سأذهب ، حتى توقفت بعد 5 دقائق تقريبا  ، لاجد نفسي في بستان ابا فراس ، اسندت ظهري على شجرة زيتون لاجلس القرفصاء دافناً رأسي بين ساقيّ ، ونبضات قلبي تتسارع بينما شهقاتي ترتفع وشهادتي وضعتها بقربي ، وقد تمنيت لو اني استطيع تمزيقها او ان اقوم بحرقها ، لكني توقفت فجأة عن البكاء وانا ارى ان هناك ما يحجب الضوء من الوصول الي ، لافاجئ بعد رفع عينيّ بجثة ضخمة تقف امامي ، و رغم اني كنت حزين و ضعيف الا انني لن انكر تلك الرعشة التي سرت داخل جسدي من رؤية ابا فراس يقف امامي ، لو لم اكن محاصر ولا فائدة من محاولة الهرب لتركت شهادتي حتى انجو بنفسي ، الا انه فاجئني عندما ابتسم لي وجلس امامي يخلل اصابعه بشعري ، ثم ناولني تفاحة و غادر ، لشدة صدمتي احسست بثقل في لساني ولم استطع ان اشكره وقتها ، ورغم ذلك لم استطع كتم فضولي وتسائلت : هل تعاطف معي فقط لانه شاهد دموعي ؟ و هل علي ان ابكي دائما لانال عطف الناس و والداي ؟ وان كان الناس يتعاطفون مع كل طفل يبكي فلماذا لم يتعاطفوا مع اطفال فلسطين وهي تبكي و تناشد العالم أجمع ان يمنعوا اذى اسرائيل عنهم لكن دون جدوى ، فقد جفت ضمائرهم وما جفت دموع الابرياء !!

مرت الاشهر و ازداد حجم بطن امي وما زلت حانق عليها لا اكلمها هي و ابي ، اما اخي فقد تجاوز الرابعة عشر من عمره ، واصبح منشغلا دوما بدراسته او بمرافقة أبي ، لم اكن أعلم ولا افهم اين كانا يذهبان معا وهما يرتديان تلك الكوفية الحمراء و الملابس السوداء التي تثير خوفي منهما و عليهما ، لم يكونا يجيباني عندما اسأل احدهما : الى أين ؟
لقد تغير أخي كثيرا لم يعد يتحدث معي ولا يلعب معي ولم يعد يرافقني الى اماكننا المعتادة ، بدأت اشعر بالوحدة و الملل حقا ، ارى امي مهتمة ببطنها فقط ، والدي مشغول بما يسمى مقاومة ، اخي مشغول باعمال لا يريد اخباري بها او اطلاعي عليها ، جدتي بدأت صحتها بالتدهور فهي تشعر بالتوعك دوماً ، تغير كل شيء من حولي ولم تعد طفولتي مشوقة ..

اتذكر في احدى المرات لشدة شعوري بالوحدة المميتة جلست على سطح المنزل دون ان اعلم عائلتي أين اختفيت في ذلك المساء ، كنت اسمع اصواتهم القلقة وهم يبحثون عني حول ارجاء المنزل وبين ثناياه يتسائلون اين يمكن ان اختفي ...
لقد سمعت صوت والدتي التي كانت اشدهم قلقاً و توتراً وهي تتحسر و تندب و خائفة علي ، وقتها ابتسمت وقد تسطحت على ظهري و انا اطالع النجوم واقول في نفسي : " هل عرفتِ قيمتي الان "

الا ان قدوم اخي الى السطح قطع علي لحظة خلوتي مع نفسي ، لم يقل شيئا ولم يصرخ او يغضب ، ربما هو أكثر من يفهمني في هذا المنزل الموحش ، جلس بجانبي وقد مرت دقائق معدودة دون ان ينبس بكلمة حتى سألته :
- شاهين ؟
- اممممممم !
- ليش مابدك تقلي لوين عم تروحوا انت و ابوي ؟
حول بصره علي وهو يبتسم بحزن كبير لا يناسب عمره الصغير ولا براءة سيمائه ، ثم التفت وهو يزفر بضيق ليقول :
- بقدرش اجاوبك هلئ ، انا وعدت ابونا انو ما بخبرك ، صدقني بكرا بس تكبر رح تفهم لحالك كل اشي يا جوجو ..

( جوجو ) لطالما احببت كل اسم يطلقه علي اخي ، كنت اشعر انه يظهر حبه لي من خلال مناداتي باسم جوجو ، حتى ان معلميني و زملائي في المدرسة اعتادوا ان ينادوني بهذا الاسم عندما اقبل الى صفي مرة ليأخذني ونعود الى المنزل ، قال الى استاذي :
- بعتذر منك استاذ بس بدي اخوي جوجو لنرجع سوا للبيت ، مافيني اتركو يرجع وحدو ..

******

بعد 4 اشهر توفيت جدتي العزيزة ، كان فقدانها سبب آخر يجعلني افرط في حزني و تزداد وحدتي فيما بعد ، لكن لم نتخطى الشهرين على وفاتها حتى عوضنا الله بشخص آخر ربما لن يملأ مكانها ، لكن على الاقل سيسده ، فقد وضعت امي مولوداً جديداً وهذه المرة لم يكن اخا بل كانت اختا صغيرة جميلة ، ذات بشرة حنطية ناعمة و خدود بلون الزهر تأسر قلب كل من يشاهدها لاصبح انا مسؤول عنها و صديقها المقرب ، حتى بلغت الثمانية سنوات ، عندها كررت خطأ اخي دون ان انتبه لذلك ، فقد أهملتها كثيرا ، وانشغلت بدراستي وقد صار أبي يأخذنا انا وأخي الشاب اليافع ذا الاثنين والعشرين من العمر للتدريب معه ومع اغلب فتيان الحي المقاربين لعمري وكذلك الشباب بعمر أخي ...

لقد علمت وقتئذ لما صار أخي بذلك الجمود و البرود ولما اختفى بريق البراءة من عينيه ليحل محله بريق حاد و نظرات شرسة ، مخيفة ، فقد سرقت الحرب طفولته وبراءته ، و كان لابد لي ان اصبح مثله ، ان اتخلى عن كل ما يخص طفولتي لاتحول الى رجل صغير يقاتل من أجل استرداد وطنه من ايدي مغتصبيه ...

لكن لا أحد يخطو على هذا الطريق الوعر دون ان يدفع الثمن الباهض ، هكذا هي الحرب وهذا قانونها الثابت ...

******

في احد ايام رمضان المبارك كنت جالساً مع عائلتي ، ونحن نتحدث عن الموضوع الاهم والوحيد الذي يشغل بال كل فلسطيني داخل الوطن و خارجه ، فاشتد النقاش حول سؤال عميق طرحه أبي خلال زفيره المتشاؤم ، كان السؤال متكون من كلمتين فقط الا ان الرد عليه يحتاج الى سنوات من التفكير و التخطيط ( ماذا بعد ؟ ) صمتنا جميعا دون رد حتى تخلل صمتنا رد اخي القاطع والذي وافقته عليه الا انني صدمت بردة فعل والداي وكانه اهانهما بهذا الجواب فاكتفيت بالصمت  :
- خلينا نترك البلاد ، مالنا مستقبل هون

صرخت به والدتي بعد ان وجهت له ضربة صاعقة على خده :
- العمى بقلبك يا ولد ايش عم تقول انت ؟

لينتفض غاضباً و يصرخ بوجهها تحت ذهولنا :
- ليش شو حكيت انا ، قلت الحقيقة الي مو راضين لحد هلا تقتنعو فيها ، احكيلك شي كلمة ياابوي

فترد امي بغضب أكبر :
- اخرس وانقلع من وجهي مابدو يحكي معك بس تتعلم كيف تحترم وطنك وقتا نحكي معك الحق عليا ماعرفت كيف ربيك ..

وقد غادر أخي المنزل ولم يعد حتى وقت المساء ولم يتبقى سوى دقائق معدودة على الأذان ، قالت لي وقتها وهي تشعر بالندم :
- كني قسيت عليه ، الله يشل حنكي
، طابختله (ورق دوالي) وهو كتير بحب هالاكلة ومابتحلا القعدة الا معو ..

اخبرتها وانا احاول طمئنتها :
- ما تشغلي بالك يما ، اكيد شوي و بيرجع

ثم حان وقت الافطار وشاهين لم يأتي بعد ، شعرت بالجوع الكبير فأخبرتها انني ساساعدها بتحضير الافطار وان لا تقلق عليه فهو حتما سيعود فليس لديه مكان اخر ، ليفطر فيه ، لكنها طلبت مني ذلك :
- ماما الله يرضى عليك حط الاكل بقيان خمس دقايق ، و خلينا ننتظر اخوك شوي كمان ..

وقد فعلت كما أمرتني الا انه لم يعد أيضا فاستسلمت وهي تخبرني بضيق صبر :
- طيب حط الصحون وهلئ ان شاء الله بعد شوي رح يجي ، الله يحميه يارب...

ارتفع صوت الاذان في حارتنا وكذلك لم يعد أخي ، بعد ان انتهينا من تأدية صلاة المغرب جلسنا جميعا حول المائدة ، الا ان امي لم تستطع ان تضع لقمة واحدة في فمها ، وعندما ارادت ان تبدأ الاكل ، لفت انتباهنا صدفة خبر عاجل في التلفاز :
( اشتباك مفاجئ بين مجموعة من الثوار الفلسطيني ، وبين قوات عديدة من الاحتلال الصهيوني قرب مسجد الاقصى ، راح ضحيته 5 شباب ، و قد نقلوا فورا الى المستشفى العام لمدينة القدس ) 
رأيت والدتي قد انزلت اللقمة دون تذوقها ، ثم قامت برفع يدها وضعتها على قلبها لتقول بصوت مهموس :
- شاهين !

رد عليها أبي بتعجب :
- شو مالو شاهين ، لسة ما اجى .

قالت بنفس الطريقة :
- في شي مش منيح .

الا اننا لم نهتم ، طلب منها والدي ان تهدأ وان لا تدع هذه الافكار المشؤومة تسيطر على عقلها ، لكنها رغم ذلك لم تستطع ان تأكل شيئا اكتفت بشرب الماء و اللبن فقط ، بعد عشر دقائق ، افزعنا صوت طرقات الباب الشديدة والمتكررة ، نهضت انا لافتح الباب ، وما فاجئني رؤيتي لمراد صديق شاهين وهو يرتدي ملابس المقاومة السوداء وقد أنزل الكوفية لتتضح لي معالمه ، كان يبكي ويتلعثم وهو يحاول ان يقول شيء لي و لكنه لم ينجح ، عندها أيقنت و آمنت ان هناك شيئا خطيرا فعلا ، ثم قال لي وقد حاول التظاهر بالقوة والتماسك في آن واحد :
- انا بعتذر عن هالخبر بس شاهين توفى و الله يتقبلوا من الشهداء ، اخذناه عالمستشفى ، إنّ لله وإنّ اليه راجعون ..

الثلاثاء، 9 مايو 2017

الفصل الاول

" تلك الليلة كانت مختلفة كثيرا عن كل الليالي الاخرى ، ليلة ممطرة ، عاصفة ، مخيفة و رهيبة ...
السماء ملبدة بالغيوم الرمادية الداكنة التي أخفت بلونها الشاحب و القاتم ، ضوء القمر المنير و بريق النجوم الكثيرة التي زينت وجه السماء ، حيث تسابق فيها وميض البرق مع هزيم الرعد ، مكونان ملحمة كونية  وسيمفونية مرعبة شاشة عرضها : السماء ، وجمهورها : البشر وجميع الكائنات الحية ..

غير ان هذه السيمفونية العظيمة لم تكن مفزعة بقدر سيمفونيات البشر المدمرة ، فأنت اختر أيها الانسان من اكثر رعباً لك :  ان تنام على ألحان الرعد المجلجل والبرق الساحر ؟ ام تنام على أصوات المدافع المدوية والصواريخ الساحقة و اصوات الانفجارات و زخات الرصاص الماطرة من كل حدب و صوب ؟

ولكن رغم الحروب المستمرة و الدمار ، القتل والأسر - الذي اعتدنا عليه في كل مرة يقتحم العدو حاراتنا وقرانا ومدننا - ما يزال الناس متمسكين بهذه الحياة الفانية كما يتمسك الغريق بحبل نجاته ..

فها نحن ننجب المئات من الأطفال كل يوم ، والعدو يقتل منا الآلاف ... وكإن كثرة الاطفال الفقراء والمرضى والمشردين من من لم يجدوا أهاليهم اللقمة لاطعامهم وسد رمقهم ، والماء لري عطشهم ، و عدم استطاعتهم تعليمهم و تثقيفهم ، هو الحل للإنتصار على العدو الصهيوني الغاشم .

بعد توقف القصف على مدينة القدس لبضع سويعات ، استطاعت سيارات الإسعاف نقل عدد قليل من الجرحى الى مستشفيات المدينة المحتلة ، وقد تسارع الناس أيضا لإنقاذ عدد يسير من الجرحى والشهداء والاغراض المهمة التي دفنتها الانقاض تحتها ...

وقد تعالت الصرخات في كل أحياء المدينة المحتلة ، صرخات كانت يائسة ، بائسة ، متحشرجة ، مصحوبة بأنين خافت و دموع مكتومة واخرى غزيرة ، ساخنة على الوجنات تبردها دعوات الناس المترفعة ..

كان القصف قد طال كل النواحي والقرى والحارات ، من ضمنها حارة السعدية : الحارة الاسلامية التي كانت وما زالت تحتفظ في احشائها الداخلية ، شهداء وأئمة وذاكرة لم يمسها غبار الزمن ، هذه الحارة التي لا تزال وعلى مر العصور متمسكة بجمال ازقتها الضيقة والتي سجلت ذكرى مرور الغزاة عليها تباعاً كانهم غبار ، واشتهارها بمساجدها العتيقة ذات الجدران الحجرية الثقيلة ، وشعبها الباسل الذي حارب الغزو بكل ما اوتي من قوة فلم تستطع اسرائيل زلزلته ..

فجأة تعالت من أحد المنازل الصغيرة ، صيحة جهورة يخالطها الالم والشقى من افواه احدى النساء التي كانت تنتظر عودة زوجها بفارغ الصبر ، فقد غادرها بعلها حاملا سلاحه ليلحق مع من رحل من رجال الحارة ليذودوا عن حِمى المدينة ، لكنه تأخر ولم يعد حتى بعد توقف القصف ، أرادت الخروج للتبحث عنه وتسأل ، رغم محاولات ام زوجها لمنعها ، غير انها لم تتجاوز باب الدار حتى شعرت بألم كبير في بطنها المنتفخة ، فأطلقت صرخات متتالية وهي تشد على بطنها ، وقد علمت ان وقت ولادتها قد حان بعد ان رأت الماء ينساب منها ، ولأن الألم كان شديد عليها ، لذا لم تسعفها قدميها على الوقوف أكثر فتهاوت قرب باب المنزل والقت بثقل جسدها على الارض الاسمنتية الخشنة في الحوش المكشوف ، والمطر قد بلل جسدها وملابسها ..

هرعت إليها خالتها ( ام زوجها ) يلحقها طفل صغير في السادسة من عمره ، يطالع والدته الممدة على الارض بذعرٍ بالغ ..

حاولت الام العجوز حمل المرأة الحامل او زحزحتها من مكانها لكنها لم تستطع ذلك ، وبسبب قلقها الكبير لم تعرف ماذا تفعل ، لذا أسرعت نحو جارتها تاركة زوجة ابنها تحت المطر المنهمر ، متبللة ، متوجعة ، صارخة ، وصغيرها يراقبها بنظرات خائفة ، مرتعبة ، قلقة ، دون ان يعلم ما علتها ..

صدفة عاد زوجها ليجدها بهذا الحال المزري ، فهرع اليها وهو يصرخ :
- منيرة ، منيرة !
ليحملها بعد ذلك متوجها الى احدى الغرف الصغيرة ذات الاثاث المهترئ ، قام بوضعها بهدوء على السرير الحديدي ذو الصرير المزعج ... بينما عادت امه مع الجارة ترافقهم امرأة عجوز ذات بشرة سمراء متغضنة تكسوها التجاعيد التي تفنن الزمن في رسمها عليها ، كانت هذه المرأة : القابلة وهي التي قامت بتوليد نصف نساء الحارة ...

ساعة عصيبة قضاها الزوج في تلك الصالة المستطيلة ، يذرعها روحة و غدوة ، مستمعاً الى صراخ زوجته خلف باب الغرفة القابعة في نهاية الصالة ، والعرق يتصبب منه دون ان يتوقف لسانه عن ذكر بعض آيات الذكر الحكيم والادعية التي من شأنها ان تساعد زوجته وتسهل من ولادتها ...

حتى انه لفرط خوفه نسي ان يخلع حذائه المشبع بالطين ، مسببا الكثير من البقع الطينية على السجاد الاحمر ، وبينما هو كذلك ، تذكر امراً ما فهرول مسرعاً الى الخارج ليجد الكلاشينكوف خاصته ما زالت مسنودة على الجدار ، فقد أزاحها من على ظهره قبل ان يحمل زوجته ، مخافة ان يؤذيها دون عمد منه ...

قام بوضعها في مكانها المعتاد ، معلقا إياها على الجدار بواسطة حزام غليظ ، ليقلقه تلك الصخرة التي اطلقتها زوجته مسببة له فزعة كادت ان تفلت منه كلاشينكوفه لتقع على قدمه ..

لحق تلك الصرخة بدقائق معدودة ، بكاء طفل صغير فلم يستطع مقاومة دموعه وسعادته فخر ساجدا على الارض شاكراً وحامداً خالقه ..

وقد خرجت والدته حاملة بيدها طفله الصغير ذا البشرة الحنطية السمراء تقدمه لولدها وهي تبارك له وتقبله على جبهته ، جاعلة دموعها تتهاوى على جبين ولدها ...

قام هو بالأذان في اذن ولده يتبعه قبلة صغيرة على رأسه الرقيق ليناوله بعد ذلك الى امه ، ويهرع نحو زوجته ليحتضنها بشوق شديد ، وقلق واضح ، وسعادة غامرة ، دون ان يهتم لوجود جارته و القابلة اللاتي يراقبن الزوج العاشق باعجاب مثير ..

اعادت امه الطفل لابنها ولزوجته ، وذهبت لتوديع القابلة وشكرها واعطائها حقها ، ثم عادت بعد ذلك الى الابن والزوجة تسألهم عن اسم الرضيع .. 

دخل عليهم طفلهم الاخر ذو السادسة وهو يرمق اخيه الرضيع بنظرات فضولية متسائلة ، لكنه لم ينطق بكلمة بل فضل الصمت ، الا انه بعد ان سمعهم يتناقشون حول اسم الرضيع ، تدخل صارخا بعناد طفولي ماطاً شفتيه :
- مجدي ، اسموه مجدي ، صديقي ايضا كان اسمه مجدي ..

وقد وافق الجميع على هذا الاسم الجميل الذي اختاروه للطفل الصغير ليكون اسمه الكامل ( مجدي يعقوب الكيالي )

انا ..

كانت هذه القصة راسخة في مخيلتي كغيرها من القصص التي حكتها لي جدتي قبيل وفاتها مراراً وتكراراً خاصة بعد مرضها الذي جعلها طريحة الفراش فلم تعد تقوى على فعل شيء سوى اخبارنا بالقصص انا واخي ، وهذه القصة تحديدا من أكثر القصص المفضلة لديها فقد رزقها الله في ذلك اليوم حفيداً صغيراً اكتمل بولادته عدد اسرتها السعيدة
( رحمك الله يا امي الكبيرة ، واسكنك فسيح جناته )      "

توقفت عن الكتابة وانا أشعر بالامتنان كثيرا لاخي الكبير ( شاهين ) ولجدتي ولوالداي ، ولم استطع ان اخفي ابتسامتي التي لازمتني طوال وقت الكتابة وانا استعيد تلك الذكريات الجميلة..
عندما كبرت علمت سبب اختيار شاهين لهذا الاسم ، فقد أخبرتني امي ان صديق اخي في الحارة كان اسمه مجدي وقد انتقل مع اسرته الى مدينة غزة فحزن اخي حزنا كبيرا لرحيل رفيقه الصغير ، وهذا ما دفعه لكي يختار لي هذا الاسم ، لانه كان يريد ان يجعلني صديقه الوحيد وهذا حقاً ما حدث بعد ذلك ، ربما لم اكن لأسعد حقا لو اختار لي اسما غير مجدي ، فهو يرضيني فعلا ويعجبني ...  

الاثنين، 23 يناير 2017

تكملة المقدمة

ها انا ذا عائد الى بلاد العرب ، وحيد ، كما خرجت منها وحيدا ، لطالما كنت وحيدا ، لا عائلة ، لا اقارب ، لا اصدقاء ، وحتى لا وطن ، تخلى الوطن عنا ، عن كل من يدافع عن قضيته ويؤمن بحريته لذا قام بنفيهم بعيدا ، لكني حتى وانا في المنفى حملته داخلي واحتفظت به ، كما قال درويش " واحمل بلادك انى ذهبت " ولم اتخلى عنه مثل ما فعل هو ..

ترجلت من الطائرة الفرنسية التي حطت في مطار الملكة علياء جنوب مدينة عمان ، و انا أحمل بيدي حقيبة سفر صغيرة تحوي بضع كتب متنوعة تسد ضمأي للقراءة والعلم ، منذ طفولتي وانا كلما أحسست بترح او فرح اقتنيت كتاب ، ذلك ان الكتاب يخفف عنا عواصف الحزن الهوجاء ويحول تلك الغيوم السوداء من الشجن الجاثمة فوق صدورنا الى غيث غزير ، فاشعر اني تبللت من فيض تلك الاحرف الماطرة حتى امرض بالعلم واصاب بزكام المعرفة ، وكما قال المتنبي
( خير جليس في الزمان كتاب ) لذا فالكتب هي اصدقاء تشاركك همومك واحزانك وتحمل عنك عبء الماضي و تخفف عليك قسوة الحاضر ، كم من كتاب الان يحمل في طيات صفحاته دموع امرأة اغتال الاعداء زوجها ، انين ام استشهد ولدها ، غصات رجل سجن في معتقلات اسرائيل منذ ان كان شابا ، صرخات مكتومة لشاب مناضل منعوه من المطالبة بحقه في وطنه فراح يقرأ ويصرخ امام كتابه لعل صديقه هذا يدلي له بحل ما او نتيجة ، او حتى ممكن ان يصبح الكتاب يقظة ضمير لكل امرئ باع وطنه وصار يتملق المحتل ويسانده في احتلاله .. لذا فالكتاب هو الصديق الصدوق الذي يحمل عنك أكمادك ، يخبأ اسرارك ولا يفشي بها مهما طاله العذاب والتهديد ....

بعد التفتيش الصارم لحقيبتي الصغيرة التي اعتقدو ، ربما ، انني احمل داخلها حجارة لرميهم بها ، ففي زمننا العجيب هذا لم يعد الناس يهابون الاسلحة الاسرائيلية ( اسلحة السلام ) بقدر ماتخيفهم هذه الحجارة التي تجدها في جعبة اي فلسطيني طفلا كان او امرأة او شاب او رجل كهل ، حتى اني لا استبعد ان تصرح الحكومات يوما بان كل من يحمل حجارة يدرج تحت قائمة الارهاب او تقوم بسجنه هذا ان لم ترديه قتيلا في نفس اللحظة التي تراه حاملا لهذا الحجر الذي كان شاهدا ومشاركاً بنضالنا ومقاومتنا ضد بني صهيون ، متجاهلين الاسلحة الثقيلة التي يحملها كل اسرائيلي على كتفه ليوجه فوهتها امام كل من يمر بجانبه من بني جلدتنا حتى ان كان طفلا رضيع تضمه والدته على صدرها وهي تلفه بملائته التي تدفئه ، لو علم هذا الطفل ان في بلده - بينما يلعب اطفال العالم بالحجارة والوحل - عليه ان يجمع هذه الحجارة ليحارب بها الاعداء لفضل ان يبقى في رحم امه ، لكن المسكين لا يعلم ان حتى رحم والدته لن يحميه من غدر الرصاص المنطلق من فوهة بندقية العدو لتستقر تلك الطلقات في رحم والدته فترديهما قتيلين  ...

انطلقت نحو ضاحية مرج الحمام التي تبعد عن المطار بامتار قليلة وانا استقل سيارة الاجرة ، حتى توقفت امام عمارات عديدة ، اتجهت نحو عمارة كنت قد استأجرت شقة فيها سابقا ، عندما كنت في باريس ، كانت العمارة تحوي شقق كثيرة اغلبها لفلسطينين لاجئين مثلي ، وبعضهم من سوريا والعراق ، لجئوا الى هنا بسبب تلك الاحداث المروعة التي تحدث في وطنهم ، وما تبقي هم اردنيين من الطبقة الفقيرة ، وقد تجمع نصفهم لاستقبالي ، حيث رحبوا بي واحتفوا بسكني هنا ، وقد قام بعضهم بمساعدتي في تنظيف وتهيئة الشقة التي كنت قد طلبت من العمال تجهيزها مسبقا بالاثاث ، ورغم ذلك كانت تحتاج الى تنظيف :

- عفوا لكن ، لم تخبرنا باسمك يا سيدي . قالها احد الشباب الاردنيين علمت فيما بعد ان اسمه طارق.

- مجدي يعقوب .

ابتسم ثم اردف وهو يرفع احد حاجبيه بطريقة مستفزة جدا :
- تشرفنا سيد مجدي ، حضرتك ماذا تعمل ؟
- استاذ جامعي في الجامعة الاردنية .

- ماذا لكنك ما زلت  شابا هل كنت تعمل استاذ منذ زمن في الاردن ؟

- لا ، كنت استاذ في جامعة باريس ( بانتيون سوربون ) والان انتقلت لاعمل هنا ..

- هذا مثير للإهتمام سيد مجدي ، اذا بما انك كنت في باريس هل كنت مدمن او سكير او شيء كهذا .

اعتلاني الغضب لكني ابتسمت وانا اجيبه متهكما :
- من اخبرك ان كل من يسافر الى دول اجنبية سيتخلى عن دينه و خلقه ويصبح كما تقول ، ام ان هذا ما تتمناه في سريرتك ؟

كان واضح مدى انزعاجي من هذه الاسئلة ،  التي اجبت عليها بهدوء دون ان اعترض او اسأل لماذا ، لكنه اعتذر مني و فسر لي سبب التحقيق المتطفل هذا ، حيث اخبرني ان شاب ( ازعر ) حسب قوله كان يسكن هنا منذ سنة وقد علم الجميع انه سارق و سكير لكنهم لم يبلغوا عنه حتى قام بالسطو على شقة جاره السيد فريد و سرق ذهب زوجته ثم هرب بعيدا ، ولم تجد الشرطة اي اثر له الى الان ، لذا عندما علموا بان هناك شخص سينتقل الى هذه الشقة ظنوا بانه سيكون سارق مثله ، لا اعلم من اين تأتيهم هذه الافكار الغريبة ، ولا اعلم ايضا من اخبرهم ان كل من سيعيش في هذه الشقة سيكون من السارقين او السكارى ، بات الامر اشبه بلعنة بالنسبة لهم ...

 
بعدما خرج الجميع من شقتي ، عدت وحيدا مرة اخرى ، توجهت الى سريري حاولت النوم لكن لم استطع ان اغمض عيني فطيفهم لا يفراقني ابدا ، افتقدها ، نعم افتقدها ، ليس فقط هي ، بل افتقد الجميع ، كل الذين رحلوا اشتقت لهم ، اتسائل لو كان جميعهم معي الان ، هل كنت سأشعر بالوحدة كما اشعر في هذا الوقت ، كم تمنيت ان الحق بهم لكن الله اختار لي قدر اخر قدري هي الغربة ، انا احسدهم حقا لانهم استشهدوا داخل الوطن ، اي شرف اكبر من ذلك ان يموت الانسان وهو يدافع عن وطنه ، ترى ان مت في بلاد الغربة هل سيعدني الله من الشهداء ، ام فقط من مات برصاص العدو وهو يدافع عن الاقصى بحجارة سيعد شهيد ...

ابعدت هذه الافكار من رأسي ، ثم توجهت الى المطبخ لاعد لي القهوة السادة المرة كما افضلها ، عدت بكوبي الساخن وانا ارتشف قليلا منه ، استلقيت على كرسي مركون بجانب الاريكة الكبيرة ثم قمت بتشغيل التلفاز ، لاشاهد اي شيء ينسيني وحدتي لبضع لحظات ، لكن انباء الوطن تلاحقني حتى في اوقات راحتي ، فما لبثت ان فتحت التلفاز حتى ظهرت لي قناة الجزيرة الفضائية وهي تعلن عن مقتل خمسة عشر شابا من فلسطين اثر اشتباك مع جنود اسرائليين مسلحين ..
" اي يا بلادنا ربي يعينك مالك معين غيرو "
اطلقت هذه التنهيدة وانا اقلب بين الفضائيات لعلني اجد اي شيء يخدر هذا الوجع ، فالألم يتفاقم كلما سمعت بمقتل اخوتي هناك ، تذكرت صدفة ذلك القول في السطر الاخير من كتاب قلوبهم معنا و قنابلهم علينا للكاتبة أحلام مستغانمي " رعى الله لنا نور التلفزيون فقد اطفأنا كل ما عداه "
اكانت احلام تقصدني اذاً في هذا السطر ، انا الذي غادرت فلسطين تاركا رماد اهلي وجيراني و رفاقي ، مستقلا اول طيارة متجهة نحو فرنسا ، حيث هناك اشاهد نور التلفاز في سلام واحتسي القهوة الساخنة بانسجام  ، كيف لم اعي انني برحيلي اطفأت النور في عقلي و اخمدت تلك النار المستعرة في قلبي ، واغرقت شموع الامل في مستنقع الظلام ، أكاد اجزم ان النار التي تستعر داخلي الان اعظم من محرقة الهولوكوست الكبرى التي اقامها هتلر بحق اليهود بحجة انهم مصنفون تحت سلم الاعراق البشرية النقية ولا يستحقون الحياة ، ربما بسبب ذلك تحول اليهود الى مجموعة من النازيين لكن الغريب هو تحول حقدهم بقدرة عجيبة الى العرب ليس الى الالمان ، فاصبحنا نحن ضحايا الحقد الصهيوني ، حيث اقسموا ان يقيموا للعرب هولوكوست اخرى على مرأى العالم بأكمله ، متأكدين ان لن يقف احدا في وجههم ولن يمنعهم ، بل انهم واثقين بان حتى العرب انفسهم لن يمانعوا في ذلك ..

مرت الساعة وانا لم استقر على اي قناة ، ما زلت شارد الذهن ، كما هو حالي مشرد بين الشرق والغرب ولم اجد من مستقر على الارض ، عقلي مشتت كحال قلبي المفتت الى اشلاء ، فقد تركت بحوزة كل غائب قطعة صغيرة منه ، اما النصف الاخر تركته في فلسطين ، في القدس ، في حارة السعدية التي ولدت فيها ، على جبل الزيتون ، داخل كنيسة القيامة  ، في مسجد قبة الصخرة الذي منعونا من الصلاة به او الاقتراب منه ...

ايعقل ان الارض بسهولها وجبالها وهضابها وبحارها وصحاريها لا تتسع لرجل لاجئ ، ايعقل ان هذه المساحة الصغيرة من الارض التي تسمى وطن هي فقط من ننتمي لها ولن نستطيع ان ننتمي الى اي ارض اخرى غيرها ...

استقريت على احدى القنوات التي تعرض صدفة فلم امريكي يحكي عن فلسطين والقدس و صلاح الدين ، رائع هذا ما كان ينقصني حقا ، سمعت كثيرا عن هذا الفلم الذي يدعى مملكة السماء لكني لم اشاهده ، فانا اعلم ان مثل هذه الافلام تصدر للشعوب الافكار الخاطئة خاصة لمن لم يعرف تاريخ الاسلام ، فهؤلاء اكثر عرضة للتأثر والتصديق لما يشاهدونه لذا :
" اعذريني امريكا لست محبا للسلام ، انا مسلم طائفي ومتعصب لديني لا اقبل ان اتفاوض معك على ارضي ولن ارضى مشاركة اي يهودي لدياري ، و لا استطيع اتباع مبدأ المؤاخاة "

لم انتبه الى الوقت الذي استغرقته وانا جالس امام التلفاز ، دون ان انتبه الى ما كان يعرض به فعقلي وقلبي كلا منهما في عالم اخر ولم الحظ الظلمة التي غطت السماء ، فاجأني طرق الباب العنيف ، الذي قاطع لحظة شرودي لذا توجهت نحوه ، كانا رجلين واقفين امام الباب ، احدهما يبدو بعمري تقريبا في العقد الثالث ، والاخر رجل خمسيني يرتدي نظارة طبية ويتكأ على عكاز خشبي ، تحدث قائلا وهو يبتسم :
- السلام عليكم معلم لا تواخذنا لانو ازعجناك ، انا جارك فريد ( ابو مصطفى ) وهذا جارنا مراد

رحبت بهما و دعوتهما للدخول لكنهم ابو ذلك :
- اهلا وسهلا ، تشرفنا ، تفضلوا يا سادة

- ان شاء الله غير يوم بس هلا بدنا منك تتفضل لعندنا مشان نتعرف عليك ، وكمان ام مصطفى عاملة اطيب كبة و حمسة فاصوليا حمرة وملوخية ، واذا بترفض رح نزعل منك ها ..

- لا يا سيدي بدناش تزعل ، اصلا ولا حدا يقدر يرفض هالكرم كلو .

توجهت معهم الى الشقة كنت اشعر بالخجل قليلا ، لكن عائلة السيد فريد وجاره لم تشعرني باني ضيف بل جعلوني اشعر كاني جزء من عائلتهم الصغيرة هذه ( ام مصطفى وابو مصطفى ، مصطفى الابن الكبير ، نور البنت الصغرى ) ومراد مع زوجته السيدة هالة ، كانوا لطفاء حقا ، شعرت معهم براحة كبيرة ، معم تذكرت تلك الاوقات في صغري  التي قضيتها برفقة عائلتي ، ام مصطفى تذكرني بطريقة او بأخرى بامي ، تلك المرأة الشهيدة المناضلة التي افنت عمرها في الدفاع عن فلسطين بجانب والدي حتى نالت الشهادة التي كانت تتمناها ، زرعت داخلي روح الوطنية والاخلاق الحميدة وعلمتني بان لا افاوض على ارضي ولا اساوم على ديني ...

في فرنسا ، كنت التقي بنساء كثيرات من العجائز اما جاراتي او في الشارع او في اي مكان ، لكني لم اشعر بانهن كأمي ، لم يذكرنني بها ولا حتى يشبهنها ، لكن في الوطن العربي من شرقه الى غربه تجد ان كل امرأة تذكرك بوالدتك ، تشبهها اما في الحنان او طريقة التربية ، الشيء المشترك الذي يستحيل ان لا تجده في اي ام عربية ، هو ذاك التواطؤ المشترك للحزن في صدورهن حتى اهتكها وانهكها ، تستطيع لمح الحزن في اعينهن الذابلة و وجوههن التي جفت بسبب مرارة الحياة والشقى وضيق العيش والضنك ..

بعد انتهاء العشاء جلسنا نشرب القهوة ، لاحظت صدفة نظرات ابنتهم نور لي ، شعرت بالقلق من هذه النظرات التي كانت تبعدها كلما وجه اباها بصره اليها ، كنت اشعر بها تستمع الى كل كلمة اقولها باهتمام ، اخبرتهم عن حياتي و المشقات التي واجهتني في رحلتي نحو هذه الوظيفة التي حصلت عليها بعد جهد وعناء طويلين ، وعن زوجتي الراحلة ، لكني لم اذكر لهم اي شيء يتعلق بكِ ، انتِ خاصة بي ، انتِ داخل قلبي ، انت الهواء والماء والغذاء ، الريح والاعصار والطوفان ، انت النسيم وعبق الازهار ، انت البيارة و شجرة الزيتون ونخلتي التي تظللني بسعفها وتطعمني من تمر شفاهها ، وانا ذلك الرحال الذي يحتاج الى ظلك ليرقد تحته ويحتمي بفيئه ...

بعد ذلك استأذنت منهم للعودة الى شقتي ، اراد السيد فريد ان يوصلني الى باب شقته كما تقتضي العادات العربية ، لكني لم اسمح له بالنهوض من مرقده ..

وقبل ان اخرج من باب الشقة ، فاجئتني نور وهي تفتح لي الباب ، وتطالعني وهي تبتسم دون التفوه بكلمة ، لن اكذب واقول شعرت بالخجل لكني شعرت بالقلق منها ، فلست مستعد بعد للمشاكل ، اعني مشكلة مع انثى تحديدا ، ان كانت تعتقد اني ساحبها او ساطلب يدها بعد ما علمت باني رجل ارمل واعيش وحيدا ، فسوف تنجرح لاحقا ، وهذا ما لا احبه انا او اطيقه ، لا اريد من اي شخص ان يبني اماله علي ، لاني ساقوم بتحطيم تلك الامال ، هذه هي حقيقتي ..

لم انطق بدوري ايضا وابتعدت تاركا اياها تقف بمواجهتي ، وهي تشعر بالانزعاج لاني لم اشكرها او اتحدث معها ..

صعدت الى شقتي التي كانت تعلو شقتهم بدور واحد ، استلقيت على سريري وانا اطالع السقف ، وافكر فيها ، تلك " الشهية البهية دائمة الطفول " كما قالها نزار ، واتابع التفكير فيكِ مرددا شعره الذي يسحر فيه اي امرأة الا انتِ ، ام انكِ ايضا تريدين رجلا يصف محاسنك و يشبهها بالطبيعة ، يجعل منك بحر مرة و صحراء مرة ، سأخيرك كما فعل هو إذاً ، بين الموت على صدري او على دفاتر اشعاره ، سأغزل قميصك من ورقات الشجر واحميك بالصبر من قطرات المطر ،
" احبك جدا
و أشهد أن لا امرأة ً
تشبهني كصورة زيتية
في الفكر والسلوك
والعقل والجنون
والملل السريع
والتعلق السريع
أشهد أن لا امرأة ً
قد أخذت من اهتمامي
نصف ما أخذتِ
واستعمرتني مثلما فعلتِ
وحررتني مثلما فعلتِ
إلا أنت .. "

وعلى انغام نزار وكلماته المخدرة - السيريالية ، غرقت في بحر النوم الجارف لاحلامي الوهمية ..