ها انا ذا عائد الى بلاد العرب ، وحيد ، كما خرجت منها وحيدا ، لطالما كنت وحيدا ، لا عائلة ، لا اقارب ، لا اصدقاء ، وحتى لا وطن ، تخلى الوطن عنا ، عن كل من يدافع عن قضيته ويؤمن بحريته لذا قام بنفيهم بعيدا ، لكني حتى وانا في المنفى حملته داخلي واحتفظت به ، كما قال درويش " واحمل بلادك انى ذهبت " ولم اتخلى عنه مثل ما فعل هو ..
ترجلت من الطائرة الفرنسية التي حطت في مطار الملكة علياء جنوب مدينة عمان ، و انا أحمل بيدي حقيبة سفر صغيرة تحوي بضع كتب متنوعة تسد ضمأي للقراءة والعلم ، منذ طفولتي وانا كلما أحسست بترح او فرح اقتنيت كتاب ، ذلك ان الكتاب يخفف عنا عواصف الحزن الهوجاء ويحول تلك الغيوم السوداء من الشجن الجاثمة فوق صدورنا الى غيث غزير ، فاشعر اني تبللت من فيض تلك الاحرف الماطرة حتى امرض بالعلم واصاب بزكام المعرفة ، وكما قال المتنبي
( خير جليس في الزمان كتاب ) لذا فالكتب هي اصدقاء تشاركك همومك واحزانك وتحمل عنك عبء الماضي و تخفف عليك قسوة الحاضر ، كم من كتاب الان يحمل في طيات صفحاته دموع امرأة اغتال الاعداء زوجها ، انين ام استشهد ولدها ، غصات رجل سجن في معتقلات اسرائيل منذ ان كان شابا ، صرخات مكتومة لشاب مناضل منعوه من المطالبة بحقه في وطنه فراح يقرأ ويصرخ امام كتابه لعل صديقه هذا يدلي له بحل ما او نتيجة ، او حتى ممكن ان يصبح الكتاب يقظة ضمير لكل امرئ باع وطنه وصار يتملق المحتل ويسانده في احتلاله .. لذا فالكتاب هو الصديق الصدوق الذي يحمل عنك أكمادك ، يخبأ اسرارك ولا يفشي بها مهما طاله العذاب والتهديد ....
بعد التفتيش الصارم لحقيبتي الصغيرة التي اعتقدو ، ربما ، انني احمل داخلها حجارة لرميهم بها ، ففي زمننا العجيب هذا لم يعد الناس يهابون الاسلحة الاسرائيلية ( اسلحة السلام ) بقدر ماتخيفهم هذه الحجارة التي تجدها في جعبة اي فلسطيني طفلا كان او امرأة او شاب او رجل كهل ، حتى اني لا استبعد ان تصرح الحكومات يوما بان كل من يحمل حجارة يدرج تحت قائمة الارهاب او تقوم بسجنه هذا ان لم ترديه قتيلا في نفس اللحظة التي تراه حاملا لهذا الحجر الذي كان شاهدا ومشاركاً بنضالنا ومقاومتنا ضد بني صهيون ، متجاهلين الاسلحة الثقيلة التي يحملها كل اسرائيلي على كتفه ليوجه فوهتها امام كل من يمر بجانبه من بني جلدتنا حتى ان كان طفلا رضيع تضمه والدته على صدرها وهي تلفه بملائته التي تدفئه ، لو علم هذا الطفل ان في بلده - بينما يلعب اطفال العالم بالحجارة والوحل - عليه ان يجمع هذه الحجارة ليحارب بها الاعداء لفضل ان يبقى في رحم امه ، لكن المسكين لا يعلم ان حتى رحم والدته لن يحميه من غدر الرصاص المنطلق من فوهة بندقية العدو لتستقر تلك الطلقات في رحم والدته فترديهما قتيلين ...
انطلقت نحو ضاحية مرج الحمام التي تبعد عن المطار بامتار قليلة وانا استقل سيارة الاجرة ، حتى توقفت امام عمارات عديدة ، اتجهت نحو عمارة كنت قد استأجرت شقة فيها سابقا ، عندما كنت في باريس ، كانت العمارة تحوي شقق كثيرة اغلبها لفلسطينين لاجئين مثلي ، وبعضهم من سوريا والعراق ، لجئوا الى هنا بسبب تلك الاحداث المروعة التي تحدث في وطنهم ، وما تبقي هم اردنيين من الطبقة الفقيرة ، وقد تجمع نصفهم لاستقبالي ، حيث رحبوا بي واحتفوا بسكني هنا ، وقد قام بعضهم بمساعدتي في تنظيف وتهيئة الشقة التي كنت قد طلبت من العمال تجهيزها مسبقا بالاثاث ، ورغم ذلك كانت تحتاج الى تنظيف :
- عفوا لكن ، لم تخبرنا باسمك يا سيدي . قالها احد الشباب الاردنيين علمت فيما بعد ان اسمه طارق.
- مجدي يعقوب .
ابتسم ثم اردف وهو يرفع احد حاجبيه بطريقة مستفزة جدا :
- تشرفنا سيد مجدي ، حضرتك ماذا تعمل ؟
- استاذ جامعي في الجامعة الاردنية .
- ماذا لكنك ما زلت شابا هل كنت تعمل استاذ منذ زمن في الاردن ؟
- لا ، كنت استاذ في جامعة باريس ( بانتيون سوربون ) والان انتقلت لاعمل هنا ..
- هذا مثير للإهتمام سيد مجدي ، اذا بما انك كنت في باريس هل كنت مدمن او سكير او شيء كهذا .
اعتلاني الغضب لكني ابتسمت وانا اجيبه متهكما :
- من اخبرك ان كل من يسافر الى دول اجنبية سيتخلى عن دينه و خلقه ويصبح كما تقول ، ام ان هذا ما تتمناه في سريرتك ؟
كان واضح مدى انزعاجي من هذه الاسئلة ، التي اجبت عليها بهدوء دون ان اعترض او اسأل لماذا ، لكنه اعتذر مني و فسر لي سبب التحقيق المتطفل هذا ، حيث اخبرني ان شاب ( ازعر ) حسب قوله كان يسكن هنا منذ سنة وقد علم الجميع انه سارق و سكير لكنهم لم يبلغوا عنه حتى قام بالسطو على شقة جاره السيد فريد و سرق ذهب زوجته ثم هرب بعيدا ، ولم تجد الشرطة اي اثر له الى الان ، لذا عندما علموا بان هناك شخص سينتقل الى هذه الشقة ظنوا بانه سيكون سارق مثله ، لا اعلم من اين تأتيهم هذه الافكار الغريبة ، ولا اعلم ايضا من اخبرهم ان كل من سيعيش في هذه الشقة سيكون من السارقين او السكارى ، بات الامر اشبه بلعنة بالنسبة لهم ...
بعدما خرج الجميع من شقتي ، عدت وحيدا مرة اخرى ، توجهت الى سريري حاولت النوم لكن لم استطع ان اغمض عيني فطيفهم لا يفراقني ابدا ، افتقدها ، نعم افتقدها ، ليس فقط هي ، بل افتقد الجميع ، كل الذين رحلوا اشتقت لهم ، اتسائل لو كان جميعهم معي الان ، هل كنت سأشعر بالوحدة كما اشعر في هذا الوقت ، كم تمنيت ان الحق بهم لكن الله اختار لي قدر اخر قدري هي الغربة ، انا احسدهم حقا لانهم استشهدوا داخل الوطن ، اي شرف اكبر من ذلك ان يموت الانسان وهو يدافع عن وطنه ، ترى ان مت في بلاد الغربة هل سيعدني الله من الشهداء ، ام فقط من مات برصاص العدو وهو يدافع عن الاقصى بحجارة سيعد شهيد ...
ابعدت هذه الافكار من رأسي ، ثم توجهت الى المطبخ لاعد لي القهوة السادة المرة كما افضلها ، عدت بكوبي الساخن وانا ارتشف قليلا منه ، استلقيت على كرسي مركون بجانب الاريكة الكبيرة ثم قمت بتشغيل التلفاز ، لاشاهد اي شيء ينسيني وحدتي لبضع لحظات ، لكن انباء الوطن تلاحقني حتى في اوقات راحتي ، فما لبثت ان فتحت التلفاز حتى ظهرت لي قناة الجزيرة الفضائية وهي تعلن عن مقتل خمسة عشر شابا من فلسطين اثر اشتباك مع جنود اسرائليين مسلحين ..
" اي يا بلادنا ربي يعينك مالك معين غيرو "
اطلقت هذه التنهيدة وانا اقلب بين الفضائيات لعلني اجد اي شيء يخدر هذا الوجع ، فالألم يتفاقم كلما سمعت بمقتل اخوتي هناك ، تذكرت صدفة ذلك القول في السطر الاخير من كتاب قلوبهم معنا و قنابلهم علينا للكاتبة أحلام مستغانمي " رعى الله لنا نور التلفزيون فقد اطفأنا كل ما عداه "
اكانت احلام تقصدني اذاً في هذا السطر ، انا الذي غادرت فلسطين تاركا رماد اهلي وجيراني و رفاقي ، مستقلا اول طيارة متجهة نحو فرنسا ، حيث هناك اشاهد نور التلفاز في سلام واحتسي القهوة الساخنة بانسجام ، كيف لم اعي انني برحيلي اطفأت النور في عقلي و اخمدت تلك النار المستعرة في قلبي ، واغرقت شموع الامل في مستنقع الظلام ، أكاد اجزم ان النار التي تستعر داخلي الان اعظم من محرقة الهولوكوست الكبرى التي اقامها هتلر بحق اليهود بحجة انهم مصنفون تحت سلم الاعراق البشرية النقية ولا يستحقون الحياة ، ربما بسبب ذلك تحول اليهود الى مجموعة من النازيين لكن الغريب هو تحول حقدهم بقدرة عجيبة الى العرب ليس الى الالمان ، فاصبحنا نحن ضحايا الحقد الصهيوني ، حيث اقسموا ان يقيموا للعرب هولوكوست اخرى على مرأى العالم بأكمله ، متأكدين ان لن يقف احدا في وجههم ولن يمنعهم ، بل انهم واثقين بان حتى العرب انفسهم لن يمانعوا في ذلك ..
مرت الساعة وانا لم استقر على اي قناة ، ما زلت شارد الذهن ، كما هو حالي مشرد بين الشرق والغرب ولم اجد من مستقر على الارض ، عقلي مشتت كحال قلبي المفتت الى اشلاء ، فقد تركت بحوزة كل غائب قطعة صغيرة منه ، اما النصف الاخر تركته في فلسطين ، في القدس ، في حارة السعدية التي ولدت فيها ، على جبل الزيتون ، داخل كنيسة القيامة ، في مسجد قبة الصخرة الذي منعونا من الصلاة به او الاقتراب منه ...
ايعقل ان الارض بسهولها وجبالها وهضابها وبحارها وصحاريها لا تتسع لرجل لاجئ ، ايعقل ان هذه المساحة الصغيرة من الارض التي تسمى وطن هي فقط من ننتمي لها ولن نستطيع ان ننتمي الى اي ارض اخرى غيرها ...
استقريت على احدى القنوات التي تعرض صدفة فلم امريكي يحكي عن فلسطين والقدس و صلاح الدين ، رائع هذا ما كان ينقصني حقا ، سمعت كثيرا عن هذا الفلم الذي يدعى مملكة السماء لكني لم اشاهده ، فانا اعلم ان مثل هذه الافلام تصدر للشعوب الافكار الخاطئة خاصة لمن لم يعرف تاريخ الاسلام ، فهؤلاء اكثر عرضة للتأثر والتصديق لما يشاهدونه لذا :
" اعذريني امريكا لست محبا للسلام ، انا مسلم طائفي ومتعصب لديني لا اقبل ان اتفاوض معك على ارضي ولن ارضى مشاركة اي يهودي لدياري ، و لا استطيع اتباع مبدأ المؤاخاة "
لم انتبه الى الوقت الذي استغرقته وانا جالس امام التلفاز ، دون ان انتبه الى ما كان يعرض به فعقلي وقلبي كلا منهما في عالم اخر ولم الحظ الظلمة التي غطت السماء ، فاجأني طرق الباب العنيف ، الذي قاطع لحظة شرودي لذا توجهت نحوه ، كانا رجلين واقفين امام الباب ، احدهما يبدو بعمري تقريبا في العقد الثالث ، والاخر رجل خمسيني يرتدي نظارة طبية ويتكأ على عكاز خشبي ، تحدث قائلا وهو يبتسم :
- السلام عليكم معلم لا تواخذنا لانو ازعجناك ، انا جارك فريد ( ابو مصطفى ) وهذا جارنا مراد
رحبت بهما و دعوتهما للدخول لكنهم ابو ذلك :
- اهلا وسهلا ، تشرفنا ، تفضلوا يا سادة
- ان شاء الله غير يوم بس هلا بدنا منك تتفضل لعندنا مشان نتعرف عليك ، وكمان ام مصطفى عاملة اطيب كبة و حمسة فاصوليا حمرة وملوخية ، واذا بترفض رح نزعل منك ها ..
- لا يا سيدي بدناش تزعل ، اصلا ولا حدا يقدر يرفض هالكرم كلو .
توجهت معهم الى الشقة كنت اشعر بالخجل قليلا ، لكن عائلة السيد فريد وجاره لم تشعرني باني ضيف بل جعلوني اشعر كاني جزء من عائلتهم الصغيرة هذه ( ام مصطفى وابو مصطفى ، مصطفى الابن الكبير ، نور البنت الصغرى ) ومراد مع زوجته السيدة هالة ، كانوا لطفاء حقا ، شعرت معهم براحة كبيرة ، معم تذكرت تلك الاوقات في صغري التي قضيتها برفقة عائلتي ، ام مصطفى تذكرني بطريقة او بأخرى بامي ، تلك المرأة الشهيدة المناضلة التي افنت عمرها في الدفاع عن فلسطين بجانب والدي حتى نالت الشهادة التي كانت تتمناها ، زرعت داخلي روح الوطنية والاخلاق الحميدة وعلمتني بان لا افاوض على ارضي ولا اساوم على ديني ...
في فرنسا ، كنت التقي بنساء كثيرات من العجائز اما جاراتي او في الشارع او في اي مكان ، لكني لم اشعر بانهن كأمي ، لم يذكرنني بها ولا حتى يشبهنها ، لكن في الوطن العربي من شرقه الى غربه تجد ان كل امرأة تذكرك بوالدتك ، تشبهها اما في الحنان او طريقة التربية ، الشيء المشترك الذي يستحيل ان لا تجده في اي ام عربية ، هو ذاك التواطؤ المشترك للحزن في صدورهن حتى اهتكها وانهكها ، تستطيع لمح الحزن في اعينهن الذابلة و وجوههن التي جفت بسبب مرارة الحياة والشقى وضيق العيش والضنك ..
بعد انتهاء العشاء جلسنا نشرب القهوة ، لاحظت صدفة نظرات ابنتهم نور لي ، شعرت بالقلق من هذه النظرات التي كانت تبعدها كلما وجه اباها بصره اليها ، كنت اشعر بها تستمع الى كل كلمة اقولها باهتمام ، اخبرتهم عن حياتي و المشقات التي واجهتني في رحلتي نحو هذه الوظيفة التي حصلت عليها بعد جهد وعناء طويلين ، وعن زوجتي الراحلة ، لكني لم اذكر لهم اي شيء يتعلق بكِ ، انتِ خاصة بي ، انتِ داخل قلبي ، انت الهواء والماء والغذاء ، الريح والاعصار والطوفان ، انت النسيم وعبق الازهار ، انت البيارة و شجرة الزيتون ونخلتي التي تظللني بسعفها وتطعمني من تمر شفاهها ، وانا ذلك الرحال الذي يحتاج الى ظلك ليرقد تحته ويحتمي بفيئه ...
بعد ذلك استأذنت منهم للعودة الى شقتي ، اراد السيد فريد ان يوصلني الى باب شقته كما تقتضي العادات العربية ، لكني لم اسمح له بالنهوض من مرقده ..
وقبل ان اخرج من باب الشقة ، فاجئتني نور وهي تفتح لي الباب ، وتطالعني وهي تبتسم دون التفوه بكلمة ، لن اكذب واقول شعرت بالخجل لكني شعرت بالقلق منها ، فلست مستعد بعد للمشاكل ، اعني مشكلة مع انثى تحديدا ، ان كانت تعتقد اني ساحبها او ساطلب يدها بعد ما علمت باني رجل ارمل واعيش وحيدا ، فسوف تنجرح لاحقا ، وهذا ما لا احبه انا او اطيقه ، لا اريد من اي شخص ان يبني اماله علي ، لاني ساقوم بتحطيم تلك الامال ، هذه هي حقيقتي ..
لم انطق بدوري ايضا وابتعدت تاركا اياها تقف بمواجهتي ، وهي تشعر بالانزعاج لاني لم اشكرها او اتحدث معها ..
صعدت الى شقتي التي كانت تعلو شقتهم بدور واحد ، استلقيت على سريري وانا اطالع السقف ، وافكر فيها ، تلك " الشهية البهية دائمة الطفول " كما قالها نزار ، واتابع التفكير فيكِ مرددا شعره الذي يسحر فيه اي امرأة الا انتِ ، ام انكِ ايضا تريدين رجلا يصف محاسنك و يشبهها بالطبيعة ، يجعل منك بحر مرة و صحراء مرة ، سأخيرك كما فعل هو إذاً ، بين الموت على صدري او على دفاتر اشعاره ، سأغزل قميصك من ورقات الشجر واحميك بالصبر من قطرات المطر ،
" احبك جدا
و أشهد أن لا امرأة ً
تشبهني كصورة زيتية
في الفكر والسلوك
والعقل والجنون
والملل السريع
والتعلق السريع
أشهد أن لا امرأة ً
قد أخذت من اهتمامي
نصف ما أخذتِ
واستعمرتني مثلما فعلتِ
وحررتني مثلما فعلتِ
إلا أنت .. "
وعلى انغام نزار وكلماته المخدرة - السيريالية ، غرقت في بحر النوم الجارف لاحلامي الوهمية ..