بين النخيل والزيتون علاقة قديمة نشأت منذ الازل واستمرت حتى وقتنا الحاضر ، حيث كانت وما زالت شجرة النخيل - الصابرة على الاملاح والجفاف لفترة زمنية طويلة - تنمو بجوار شجرة الزيتون المباركة ذات الخضرة الدائمة ، وكإنهما يذكرننا ( بهذه الجيرة ) بمدى توافق العلاقة بينهما رغم اختلاف اوراقهما وثمارهما ...
وبين بلاد الرافدين وبلاد الزيتون تاريخ اقدم ، نشأ منذ زمن ابراهيم عليه السلام واستمر حتى وقتنا الحالي ، هو تاريخ مديد من الاحداث التي بدءاً من الديانات النضال المستمر والمقاومة الأبية ضد الاستعمار الغاشم الذي وطئ اراضينا العربية ، حيث عاث فيها الفساد والخراب واشعل فيها اتون الحروب الظالمة والمجازر المرعبة ضد الانسان العربي الاعزل ، على مرأى من دول العالم التي تصرح وتصرخ ليل نهار بالحرية وتدعي احترامها لجميع البشر والأديان ...
من يقع عليه اللوم يا ترى أحكامنا الافاضل الذين حولتهم امريكا واسرائيل الى كلاب تلهث خلفهم دوما من اجل طلب تبركاتهم ، ام شعوبنا التي اصبحت ضحية الحرية والديمقراطية ، فخلعوا عن انفسهم رداء العزة والفخر بدياناتهم و اوطانهم وعروبتهم ليتحولوا بعد ذلك نسخة من الامريكيين والاسرائيليين ، والتسمية المناسبة التي علينا ان نطلقها عليهم هي عربيكان و عربسرائيل ...
اليوم اصبح العربي مهتم بتزيين شجرة الكريسماس التي هي بالاصل مرتبطة بالعبادات الوثنية في اكرام وعبادة الشجرة ، اكثر من اهتمامه بتزيين مسجده او منزله بالايات القرآنية التي تحفظه من كل شر ، وان كان علي ان اختار شجرة لازينها فسوف اختار اما النخلة او شجرة الزيتون حيث ان كلا منهما مباركتين وقد ذكرتا في القرآن ..
اليوم ايضا تركنا المساجد وابتعدنا عن الله لنتجه صوب معبد البيت الابيض المبارك و جامع الكنيست الشريف لعبادة الالهة التي يقطنون هذه المساجد ، وبعد ان كنا اعزة كما قال سيدنا عمر رضي الله عنه " نحن قوم اعزنا الله بالاسلام فان ابتغينا العزة بغيره اذلنا الله " اصبحنا اليوم اذلاء ذلك اننا ابتغينا العزة من من لا عز له ولا فخر ، كنا " خير امة اخرجت للناس جميعا " ثم تحولنا كما يسمي البعض عصرنا الذهبي هذا عصر الحضارة والثقافة الى امة بغي نعم يؤسفني ان اخبركِ اليوم اننا صرنا هكذا :
امة بغي
نستبيح هدر الدماء ...
ونثور اذا مات الصليبي
بغصة ماء ....
نمنع السجود في المساجد ،
بتهمة الارهاب ...
ونروج للصلاة في الكنيسة ،
فنسوغ الاسباب ...
نتطير من نعيق البوم و الغراب ...
ونصفق لاغاني الهيب هوب و الراب ...
نصم سمعنا عند الاذان ...
ثم نتهادى على الحان الكمان ...
اه يا امة
متى تتحرري ؟
متى تفيقي ؟
زنى العاهرة والعاهر... نعتبره تحرر لانهم مثقفين و متحضرين
لكن عندما تغتصب الطاهرة يصبح وزر عليها ليس على المغتصب نفسه ، فهي التي قامت باغرائه و اغوائه ، ولن يعتبوا على الغريزة الحيوانية التي تسيطر عليه ...
احيانا احسد زوجتي على رحيلها من هذا العالم المقرف ، فلن يستطيع قلبها المرهف على تحمل رؤية تلك المشاهد المروعة ، اعلم كم كانت ستحزن عندما ترى امهاتنا اللواتي تجاوز الشيب نصف شعرهن و غزت التجاعيد بشرتهن ذليلات في السجون الاسرائيلية ، و تلك الشابات اللاتي ما زلن يملكن عبق الورود وجمالها ، لم يسعفهن الحظ كي يتفتحن وينشرن الرائحة الزكية في الارجاء بل ذبلن وفقدن نضارتهن داخل المعتقلات حيث يضربن و يغتصبن على من لا دين لهم ولا مروءة ، بشر كانوا مشردين ذليلين في معظم دول اوروبا ، يثيرون الشغب والغوغاء بين تلك الدول حتى ضاقوا بهم ذرعا ، فقامت بريطانيا بارسالهم الى اراضينا بذريعة ان هذه الارض ( ارض اورشليم ) كما يسموها كانت ارضهم قبل ان تكون ارض العرب والمسلمين ، فبدأت حرب الابادة ضدنا منذ اكثر من نصف قرن تقريبا ، استشهد نصفنا و تشرد النصف الاخر وما بقي هناك من الفلسطينيين يعانون اليوم من المضايقات و الظلم والتعذيب الجسدي والمعنوي ، وهناك عدة افراد منا صاروا عبيد لبني صهيون تسيرهم كيفما شاءت ، فقد استطاعت اسرائيل - كما كانت تهدف منذ البداية - ان تقضي على معتقداتهم و اخر ذرة من عروبتهم ليصبحوا اسرى لنزواتهم واهوائهم غارقون من رأسهم الى اخمص قدمهم في المعصية والرذيلة وبذلك نجحت مخططات اليهود ومحاولاتهم المستمرة لهدم بنية الاسلام ...
اعتذر لكثرة ثرثرتي لكني متعب يا سيدتي ، وليس لدي من يسمعني او يفهمني سواكِ ، لا اعلم كم مر من الوقت حتى اعي انني فقدت جزءا من نفسي برحيلكِ ، لكني اليوم قد تأكدت اخيرا دون ريبة انني اكن لكِ مشاعر عظيمة ، ستودي بي الى الهلاك ، لاني اخاف ان يكون ، ربما فات الأوان و مر الزمان واصبحتِ امرأة متزوجة الان ولديكِ طفل او طفلان ، و رغم هذا اود الافضاء بما عندي ، فلا اريد ان اصبح في الخمسين من العمر او اكثر ، عندها فقط ، اعرف كم سأكون نادما لانني قبل سنوات عديدة سمحت لكي بالذهاب ، ولم امسك يدك او احثك على عدم الرحيل ، اعترف اني لم استطع البوح عندما كنت بقربي حيث كنت اراكِ كل يوم ، لان جراحي كانت اكبر من ان اخبر احدا بها ، نحن نصمت عندما ندرك حجم الوجع والخيبة ، وحين نعلم ان لا احد سيفهمنا او يهتم لآلامنا ، لكني عندما قرأت ما كتبته لي في تلك المذكرة التي اهديتني اياها على شكل رسائل يومية ، شعرت بالخجل من نفسي ومنكِ ، لانني علمت انك تعانين كما اعاني انا و ربما اكثر ...
عزائي الوحيد الذي هو يثير السخرية والالم معا هو : ان وطني ينزف على ايادي يهودية قذرة نستطيع ان تعاونا جميعا ان نذيقهم نفس الويلات ونشربهم السم من نفس الكأس التي اشربونا منها ، لكن ما اثار حزني هو ان وطنك ينزف على ايدي ابناءه انفسهم ، الشيء المثير للعجب والرعب و الغضب ، ان الاخوة الذين كانوا كالبنيان المرصوص يأكلون من طبق واحد و ينامون على فراش واحد و يصلون جميعا بجانب بعضهم بعضا ، باتوا اليوم يتقاتلون فيما بينهم ويتراشقون بالرصاص و المسبات والشتم واللعن بسبب تلك الجرثومة البغيضة ( الطائفية ) التي تفشت داخل العراق والتي تحملت امريكا جهد زراعتها داخل قلوب المسلمين بالتعاون مع اليهود والمجوس و منظمات ارهابية تعاني الانفصام ومن اضطرابات دينية - نفسية ....
سأقر لكِ بما يخالجني و سأتجرأ اليوم كي اخبركِ اني : اشتاقكِ كثيرا ...
اجل انا اشتاق الى صوتكِ المتحشرج عندما كنت تتحدثين عن جراح وطنك ، احن الى ابتسامتك التي تأسرني كل صباح لتنسيني ما اردت شرحه في تلك القاعة التي ما زالت تحتفظ بذكرياتنا العابرة داخلها والتي تشاركناها في اوقات سرورنا و حزننا ، وآه كم اتوق الان لشم رائحة عطرك الممزوج برائحة القهوة الباريسية والكروسان الحارة ...
اه يا سيدتي فقط خبريني انك بخير عندها سأكون انا ايضا بخير ، لاني لن اهتم بعد اليوم بكلفة العصير او زحمة السير ، كما تجرأتي مرة واخبرتني " انت رجل بخيل " لاني رفضت دفع كلفة العصير في ذلك المطعم الباهظ فدفعت نصف المبلغ ، لم انسى وقتها ما قلته لكِ ولا ازال مصر على ذلك واردده وانا ابتسم بشوق كبير لتلك الذكرى :
" لو كنت اعلم كم سيكلفني ثمن كأسي العصير هذين ما اقتربت منه ولا دخلته او دعوتكِ له "
وكما تفضلتِ مرة واخبرتني اني مصاب بمرض التوحد ذلك عندما رأيت كم انزعجت من ضوضاء الناس في الشوارع المزدحمة و بعدما قمت بصم اذناي كي لا اسمح ذلك الصخب المرتفع ...
استطيع الان وبكل ثقة ان اعترف :
" اني فعلا بخيل و مصاب بالتوحد " لاني لم ادفع لك ثمن حقكِ حين اهتممتِ بي ، لم اعترف لك يومها بهذه المشاعر التي اكنها لكِ منذ ان التقيت بكِ ، و لن اقبل بعد اليوم ان انفرد بامرأة غيرك بعد الان ، نعم يا سيدتي انا بخيل عليكِ و مصاب بالتوحد بكِ ، وارى الان كيف ان باريس تبدو موحشة بعد ان غادرتها وتركتني اهيم تائها في شوارعها ، وحيدا في حدائقها ، اسيرا بين ازقتها ومبانيها ....
لكني كتبت لكِ اليوم لاخبرك باني سأعود ، ليس الى وطني بل الى وطن اخر قريب من بلادي يأوي نصف شعبي المشرد ويحمل رائحة فلسطين في كثير من مدنه ، سأغادر باريس تاركا تلك المباني والازقة التي مررنا بها يوما حتى تروي لهم جدرانها قصة حبنا التي لم نخبر احدا بها ، والاهم اننا لم نخبر بعضنا بها ربما خوفا او حرجا لا اعلم ، او ربما لم تعشقيني ، فكنت بمثابة استاذ - صديق لك فقط ، علاقة صداقة واحترام تجمع بين استاذ و طالبته لا اكثر من ذلك ...
حسنا اذا لندع تلك الجدران تتكفل باخبارهم عنا ، وان زرتِ باريس يوما ستخبرك ايضا ، لكني اشعر بالقلق والتوتر ، ماذا لو أخبرتكِ ولم تهتمي ،ماذا لو كنتِ مع زوجك و نسيتِ ذكرانا وقصتنا التي خبأتها داخل زوايا قلبي لاحيا منك و بك ، امتلأ شوقا من صورك وابتسامتك ، واقتل ضمأي من شرب صوتك الذي يقطر كحبات ندى في اذني ... أعدك اني سأحتفظ بذكرى قصتنا وربما سأكتبها عندما اصل الى الاردن ... سأكون اذا على موعد مع ورقة و قصة تكتب على سحر رائحة القهوة العربية المرة ...
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق