الاثنين، 23 يناير 2017

تكملة المقدمة

ها انا ذا عائد الى بلاد العرب ، وحيد ، كما خرجت منها وحيدا ، لطالما كنت وحيدا ، لا عائلة ، لا اقارب ، لا اصدقاء ، وحتى لا وطن ، تخلى الوطن عنا ، عن كل من يدافع عن قضيته ويؤمن بحريته لذا قام بنفيهم بعيدا ، لكني حتى وانا في المنفى حملته داخلي واحتفظت به ، كما قال درويش " واحمل بلادك انى ذهبت " ولم اتخلى عنه مثل ما فعل هو ..

ترجلت من الطائرة الفرنسية التي حطت في مطار الملكة علياء جنوب مدينة عمان ، و انا أحمل بيدي حقيبة سفر صغيرة تحوي بضع كتب متنوعة تسد ضمأي للقراءة والعلم ، منذ طفولتي وانا كلما أحسست بترح او فرح اقتنيت كتاب ، ذلك ان الكتاب يخفف عنا عواصف الحزن الهوجاء ويحول تلك الغيوم السوداء من الشجن الجاثمة فوق صدورنا الى غيث غزير ، فاشعر اني تبللت من فيض تلك الاحرف الماطرة حتى امرض بالعلم واصاب بزكام المعرفة ، وكما قال المتنبي
( خير جليس في الزمان كتاب ) لذا فالكتب هي اصدقاء تشاركك همومك واحزانك وتحمل عنك عبء الماضي و تخفف عليك قسوة الحاضر ، كم من كتاب الان يحمل في طيات صفحاته دموع امرأة اغتال الاعداء زوجها ، انين ام استشهد ولدها ، غصات رجل سجن في معتقلات اسرائيل منذ ان كان شابا ، صرخات مكتومة لشاب مناضل منعوه من المطالبة بحقه في وطنه فراح يقرأ ويصرخ امام كتابه لعل صديقه هذا يدلي له بحل ما او نتيجة ، او حتى ممكن ان يصبح الكتاب يقظة ضمير لكل امرئ باع وطنه وصار يتملق المحتل ويسانده في احتلاله .. لذا فالكتاب هو الصديق الصدوق الذي يحمل عنك أكمادك ، يخبأ اسرارك ولا يفشي بها مهما طاله العذاب والتهديد ....

بعد التفتيش الصارم لحقيبتي الصغيرة التي اعتقدو ، ربما ، انني احمل داخلها حجارة لرميهم بها ، ففي زمننا العجيب هذا لم يعد الناس يهابون الاسلحة الاسرائيلية ( اسلحة السلام ) بقدر ماتخيفهم هذه الحجارة التي تجدها في جعبة اي فلسطيني طفلا كان او امرأة او شاب او رجل كهل ، حتى اني لا استبعد ان تصرح الحكومات يوما بان كل من يحمل حجارة يدرج تحت قائمة الارهاب او تقوم بسجنه هذا ان لم ترديه قتيلا في نفس اللحظة التي تراه حاملا لهذا الحجر الذي كان شاهدا ومشاركاً بنضالنا ومقاومتنا ضد بني صهيون ، متجاهلين الاسلحة الثقيلة التي يحملها كل اسرائيلي على كتفه ليوجه فوهتها امام كل من يمر بجانبه من بني جلدتنا حتى ان كان طفلا رضيع تضمه والدته على صدرها وهي تلفه بملائته التي تدفئه ، لو علم هذا الطفل ان في بلده - بينما يلعب اطفال العالم بالحجارة والوحل - عليه ان يجمع هذه الحجارة ليحارب بها الاعداء لفضل ان يبقى في رحم امه ، لكن المسكين لا يعلم ان حتى رحم والدته لن يحميه من غدر الرصاص المنطلق من فوهة بندقية العدو لتستقر تلك الطلقات في رحم والدته فترديهما قتيلين  ...

انطلقت نحو ضاحية مرج الحمام التي تبعد عن المطار بامتار قليلة وانا استقل سيارة الاجرة ، حتى توقفت امام عمارات عديدة ، اتجهت نحو عمارة كنت قد استأجرت شقة فيها سابقا ، عندما كنت في باريس ، كانت العمارة تحوي شقق كثيرة اغلبها لفلسطينين لاجئين مثلي ، وبعضهم من سوريا والعراق ، لجئوا الى هنا بسبب تلك الاحداث المروعة التي تحدث في وطنهم ، وما تبقي هم اردنيين من الطبقة الفقيرة ، وقد تجمع نصفهم لاستقبالي ، حيث رحبوا بي واحتفوا بسكني هنا ، وقد قام بعضهم بمساعدتي في تنظيف وتهيئة الشقة التي كنت قد طلبت من العمال تجهيزها مسبقا بالاثاث ، ورغم ذلك كانت تحتاج الى تنظيف :

- عفوا لكن ، لم تخبرنا باسمك يا سيدي . قالها احد الشباب الاردنيين علمت فيما بعد ان اسمه طارق.

- مجدي يعقوب .

ابتسم ثم اردف وهو يرفع احد حاجبيه بطريقة مستفزة جدا :
- تشرفنا سيد مجدي ، حضرتك ماذا تعمل ؟
- استاذ جامعي في الجامعة الاردنية .

- ماذا لكنك ما زلت  شابا هل كنت تعمل استاذ منذ زمن في الاردن ؟

- لا ، كنت استاذ في جامعة باريس ( بانتيون سوربون ) والان انتقلت لاعمل هنا ..

- هذا مثير للإهتمام سيد مجدي ، اذا بما انك كنت في باريس هل كنت مدمن او سكير او شيء كهذا .

اعتلاني الغضب لكني ابتسمت وانا اجيبه متهكما :
- من اخبرك ان كل من يسافر الى دول اجنبية سيتخلى عن دينه و خلقه ويصبح كما تقول ، ام ان هذا ما تتمناه في سريرتك ؟

كان واضح مدى انزعاجي من هذه الاسئلة ،  التي اجبت عليها بهدوء دون ان اعترض او اسأل لماذا ، لكنه اعتذر مني و فسر لي سبب التحقيق المتطفل هذا ، حيث اخبرني ان شاب ( ازعر ) حسب قوله كان يسكن هنا منذ سنة وقد علم الجميع انه سارق و سكير لكنهم لم يبلغوا عنه حتى قام بالسطو على شقة جاره السيد فريد و سرق ذهب زوجته ثم هرب بعيدا ، ولم تجد الشرطة اي اثر له الى الان ، لذا عندما علموا بان هناك شخص سينتقل الى هذه الشقة ظنوا بانه سيكون سارق مثله ، لا اعلم من اين تأتيهم هذه الافكار الغريبة ، ولا اعلم ايضا من اخبرهم ان كل من سيعيش في هذه الشقة سيكون من السارقين او السكارى ، بات الامر اشبه بلعنة بالنسبة لهم ...

 
بعدما خرج الجميع من شقتي ، عدت وحيدا مرة اخرى ، توجهت الى سريري حاولت النوم لكن لم استطع ان اغمض عيني فطيفهم لا يفراقني ابدا ، افتقدها ، نعم افتقدها ، ليس فقط هي ، بل افتقد الجميع ، كل الذين رحلوا اشتقت لهم ، اتسائل لو كان جميعهم معي الان ، هل كنت سأشعر بالوحدة كما اشعر في هذا الوقت ، كم تمنيت ان الحق بهم لكن الله اختار لي قدر اخر قدري هي الغربة ، انا احسدهم حقا لانهم استشهدوا داخل الوطن ، اي شرف اكبر من ذلك ان يموت الانسان وهو يدافع عن وطنه ، ترى ان مت في بلاد الغربة هل سيعدني الله من الشهداء ، ام فقط من مات برصاص العدو وهو يدافع عن الاقصى بحجارة سيعد شهيد ...

ابعدت هذه الافكار من رأسي ، ثم توجهت الى المطبخ لاعد لي القهوة السادة المرة كما افضلها ، عدت بكوبي الساخن وانا ارتشف قليلا منه ، استلقيت على كرسي مركون بجانب الاريكة الكبيرة ثم قمت بتشغيل التلفاز ، لاشاهد اي شيء ينسيني وحدتي لبضع لحظات ، لكن انباء الوطن تلاحقني حتى في اوقات راحتي ، فما لبثت ان فتحت التلفاز حتى ظهرت لي قناة الجزيرة الفضائية وهي تعلن عن مقتل خمسة عشر شابا من فلسطين اثر اشتباك مع جنود اسرائليين مسلحين ..
" اي يا بلادنا ربي يعينك مالك معين غيرو "
اطلقت هذه التنهيدة وانا اقلب بين الفضائيات لعلني اجد اي شيء يخدر هذا الوجع ، فالألم يتفاقم كلما سمعت بمقتل اخوتي هناك ، تذكرت صدفة ذلك القول في السطر الاخير من كتاب قلوبهم معنا و قنابلهم علينا للكاتبة أحلام مستغانمي " رعى الله لنا نور التلفزيون فقد اطفأنا كل ما عداه "
اكانت احلام تقصدني اذاً في هذا السطر ، انا الذي غادرت فلسطين تاركا رماد اهلي وجيراني و رفاقي ، مستقلا اول طيارة متجهة نحو فرنسا ، حيث هناك اشاهد نور التلفاز في سلام واحتسي القهوة الساخنة بانسجام  ، كيف لم اعي انني برحيلي اطفأت النور في عقلي و اخمدت تلك النار المستعرة في قلبي ، واغرقت شموع الامل في مستنقع الظلام ، أكاد اجزم ان النار التي تستعر داخلي الان اعظم من محرقة الهولوكوست الكبرى التي اقامها هتلر بحق اليهود بحجة انهم مصنفون تحت سلم الاعراق البشرية النقية ولا يستحقون الحياة ، ربما بسبب ذلك تحول اليهود الى مجموعة من النازيين لكن الغريب هو تحول حقدهم بقدرة عجيبة الى العرب ليس الى الالمان ، فاصبحنا نحن ضحايا الحقد الصهيوني ، حيث اقسموا ان يقيموا للعرب هولوكوست اخرى على مرأى العالم بأكمله ، متأكدين ان لن يقف احدا في وجههم ولن يمنعهم ، بل انهم واثقين بان حتى العرب انفسهم لن يمانعوا في ذلك ..

مرت الساعة وانا لم استقر على اي قناة ، ما زلت شارد الذهن ، كما هو حالي مشرد بين الشرق والغرب ولم اجد من مستقر على الارض ، عقلي مشتت كحال قلبي المفتت الى اشلاء ، فقد تركت بحوزة كل غائب قطعة صغيرة منه ، اما النصف الاخر تركته في فلسطين ، في القدس ، في حارة السعدية التي ولدت فيها ، على جبل الزيتون ، داخل كنيسة القيامة  ، في مسجد قبة الصخرة الذي منعونا من الصلاة به او الاقتراب منه ...

ايعقل ان الارض بسهولها وجبالها وهضابها وبحارها وصحاريها لا تتسع لرجل لاجئ ، ايعقل ان هذه المساحة الصغيرة من الارض التي تسمى وطن هي فقط من ننتمي لها ولن نستطيع ان ننتمي الى اي ارض اخرى غيرها ...

استقريت على احدى القنوات التي تعرض صدفة فلم امريكي يحكي عن فلسطين والقدس و صلاح الدين ، رائع هذا ما كان ينقصني حقا ، سمعت كثيرا عن هذا الفلم الذي يدعى مملكة السماء لكني لم اشاهده ، فانا اعلم ان مثل هذه الافلام تصدر للشعوب الافكار الخاطئة خاصة لمن لم يعرف تاريخ الاسلام ، فهؤلاء اكثر عرضة للتأثر والتصديق لما يشاهدونه لذا :
" اعذريني امريكا لست محبا للسلام ، انا مسلم طائفي ومتعصب لديني لا اقبل ان اتفاوض معك على ارضي ولن ارضى مشاركة اي يهودي لدياري ، و لا استطيع اتباع مبدأ المؤاخاة "

لم انتبه الى الوقت الذي استغرقته وانا جالس امام التلفاز ، دون ان انتبه الى ما كان يعرض به فعقلي وقلبي كلا منهما في عالم اخر ولم الحظ الظلمة التي غطت السماء ، فاجأني طرق الباب العنيف ، الذي قاطع لحظة شرودي لذا توجهت نحوه ، كانا رجلين واقفين امام الباب ، احدهما يبدو بعمري تقريبا في العقد الثالث ، والاخر رجل خمسيني يرتدي نظارة طبية ويتكأ على عكاز خشبي ، تحدث قائلا وهو يبتسم :
- السلام عليكم معلم لا تواخذنا لانو ازعجناك ، انا جارك فريد ( ابو مصطفى ) وهذا جارنا مراد

رحبت بهما و دعوتهما للدخول لكنهم ابو ذلك :
- اهلا وسهلا ، تشرفنا ، تفضلوا يا سادة

- ان شاء الله غير يوم بس هلا بدنا منك تتفضل لعندنا مشان نتعرف عليك ، وكمان ام مصطفى عاملة اطيب كبة و حمسة فاصوليا حمرة وملوخية ، واذا بترفض رح نزعل منك ها ..

- لا يا سيدي بدناش تزعل ، اصلا ولا حدا يقدر يرفض هالكرم كلو .

توجهت معهم الى الشقة كنت اشعر بالخجل قليلا ، لكن عائلة السيد فريد وجاره لم تشعرني باني ضيف بل جعلوني اشعر كاني جزء من عائلتهم الصغيرة هذه ( ام مصطفى وابو مصطفى ، مصطفى الابن الكبير ، نور البنت الصغرى ) ومراد مع زوجته السيدة هالة ، كانوا لطفاء حقا ، شعرت معهم براحة كبيرة ، معم تذكرت تلك الاوقات في صغري  التي قضيتها برفقة عائلتي ، ام مصطفى تذكرني بطريقة او بأخرى بامي ، تلك المرأة الشهيدة المناضلة التي افنت عمرها في الدفاع عن فلسطين بجانب والدي حتى نالت الشهادة التي كانت تتمناها ، زرعت داخلي روح الوطنية والاخلاق الحميدة وعلمتني بان لا افاوض على ارضي ولا اساوم على ديني ...

في فرنسا ، كنت التقي بنساء كثيرات من العجائز اما جاراتي او في الشارع او في اي مكان ، لكني لم اشعر بانهن كأمي ، لم يذكرنني بها ولا حتى يشبهنها ، لكن في الوطن العربي من شرقه الى غربه تجد ان كل امرأة تذكرك بوالدتك ، تشبهها اما في الحنان او طريقة التربية ، الشيء المشترك الذي يستحيل ان لا تجده في اي ام عربية ، هو ذاك التواطؤ المشترك للحزن في صدورهن حتى اهتكها وانهكها ، تستطيع لمح الحزن في اعينهن الذابلة و وجوههن التي جفت بسبب مرارة الحياة والشقى وضيق العيش والضنك ..

بعد انتهاء العشاء جلسنا نشرب القهوة ، لاحظت صدفة نظرات ابنتهم نور لي ، شعرت بالقلق من هذه النظرات التي كانت تبعدها كلما وجه اباها بصره اليها ، كنت اشعر بها تستمع الى كل كلمة اقولها باهتمام ، اخبرتهم عن حياتي و المشقات التي واجهتني في رحلتي نحو هذه الوظيفة التي حصلت عليها بعد جهد وعناء طويلين ، وعن زوجتي الراحلة ، لكني لم اذكر لهم اي شيء يتعلق بكِ ، انتِ خاصة بي ، انتِ داخل قلبي ، انت الهواء والماء والغذاء ، الريح والاعصار والطوفان ، انت النسيم وعبق الازهار ، انت البيارة و شجرة الزيتون ونخلتي التي تظللني بسعفها وتطعمني من تمر شفاهها ، وانا ذلك الرحال الذي يحتاج الى ظلك ليرقد تحته ويحتمي بفيئه ...

بعد ذلك استأذنت منهم للعودة الى شقتي ، اراد السيد فريد ان يوصلني الى باب شقته كما تقتضي العادات العربية ، لكني لم اسمح له بالنهوض من مرقده ..

وقبل ان اخرج من باب الشقة ، فاجئتني نور وهي تفتح لي الباب ، وتطالعني وهي تبتسم دون التفوه بكلمة ، لن اكذب واقول شعرت بالخجل لكني شعرت بالقلق منها ، فلست مستعد بعد للمشاكل ، اعني مشكلة مع انثى تحديدا ، ان كانت تعتقد اني ساحبها او ساطلب يدها بعد ما علمت باني رجل ارمل واعيش وحيدا ، فسوف تنجرح لاحقا ، وهذا ما لا احبه انا او اطيقه ، لا اريد من اي شخص ان يبني اماله علي ، لاني ساقوم بتحطيم تلك الامال ، هذه هي حقيقتي ..

لم انطق بدوري ايضا وابتعدت تاركا اياها تقف بمواجهتي ، وهي تشعر بالانزعاج لاني لم اشكرها او اتحدث معها ..

صعدت الى شقتي التي كانت تعلو شقتهم بدور واحد ، استلقيت على سريري وانا اطالع السقف ، وافكر فيها ، تلك " الشهية البهية دائمة الطفول " كما قالها نزار ، واتابع التفكير فيكِ مرددا شعره الذي يسحر فيه اي امرأة الا انتِ ، ام انكِ ايضا تريدين رجلا يصف محاسنك و يشبهها بالطبيعة ، يجعل منك بحر مرة و صحراء مرة ، سأخيرك كما فعل هو إذاً ، بين الموت على صدري او على دفاتر اشعاره ، سأغزل قميصك من ورقات الشجر واحميك بالصبر من قطرات المطر ،
" احبك جدا
و أشهد أن لا امرأة ً
تشبهني كصورة زيتية
في الفكر والسلوك
والعقل والجنون
والملل السريع
والتعلق السريع
أشهد أن لا امرأة ً
قد أخذت من اهتمامي
نصف ما أخذتِ
واستعمرتني مثلما فعلتِ
وحررتني مثلما فعلتِ
إلا أنت .. "

وعلى انغام نزار وكلماته المخدرة - السيريالية ، غرقت في بحر النوم الجارف لاحلامي الوهمية ..

الأربعاء، 18 يناير 2017

حبكة الرواية

تتحدث الرواية عن الاوضاع التي تحدث في بلدي العراق و فلسطين على لساني شابة من العراق و استاذ جامعي من فلسطين ، تدور الاحداث حول القدس وبغداد وباريس ، حيث يلتقيا صدفة في احدى

شخصيات الرواية

رحمة سلمان الشمري : طالبة من العراق تدرس في فرنسا مواليد 1993، هربت مع عائلتها الى فرنسا بسبب الطائفية التي حدثت في العراق سنة 2005 ، حيث قام بعض الافراد برمي ورقة تهديد في منزلهم كتب فيها ان يتركو منزلهم و حيهم لانهم من طائفة اخرى والا سيقتلون الجميع ، تدرس في جامعة باريس 1 قسم الأدب ، التقت في أحد الايام شابا رائع من فلسطين ، واصبح صديقها ، يخرجان معا في شوارع باريس و يمرحان ويتبادلان النقاشات الهامة حول ظروف وطنهما ، حتى دخلت الى الجامعة و اكتشفت انه استاذ جامعي في قسم الاداب ، وهنا بدأت تعجب به و تكن له الحب ، لكن ما فاجئها انه اصبح بارد معها ، لا يتحدث كثيرا او يخرج معها ، وفي اكثر من مرة يتجاهلها وهذا كان يؤلمها حقا ولا تعلم السبب الذي جعله يتصرف معها هكذا ، وبعد انتهاء الدراسة قرر والديها ان يعودا الى العراق حيث اصبحت الاوضاع امنة تقريبا ، لكنها قبل ان تعود اهدت اليه دفتر مذكراتها حيث قامت بوضع رسالة داخل ظرف في كل صفحة يقلبها ، تحدثت بها عن جراحها ومايؤلمها في وطنها ومنه ، وقد مرت 3 سنوات منذ عودتها، ولم تسمع منه شيئا ، ولم تعترف له بمشاعرها ، حتى تفاجئت في احد الايام بصدور رواية له ، وقد كانت الرواية تتحدث عن قصة حبهما الغريبة وقد علمت انه ايضا يحبها لذا سافرت اليه وتزوجا في الاردن

الاثنين، 9 يناير 2017

رواية ثورة النخيل والزيتون

بين النخيل والزيتون علاقة قديمة نشأت منذ الازل واستمرت حتى وقتنا الحاضر ، حيث كانت وما زالت شجرة النخيل - الصابرة على الاملاح والجفاف لفترة زمنية طويلة - تنمو بجوار شجرة الزيتون المباركة ذات الخضرة الدائمة ، وكإنهما يذكرننا ( بهذه الجيرة ) بمدى توافق العلاقة بينهما رغم اختلاف اوراقهما وثمارهما ...

وبين بلاد الرافدين وبلاد الزيتون تاريخ اقدم ، نشأ منذ زمن ابراهيم عليه السلام واستمر حتى وقتنا الحالي ، هو تاريخ مديد من الاحداث التي  بدءاً من الديانات النضال المستمر والمقاومة الأبية ضد الاستعمار الغاشم الذي وطئ اراضينا العربية ، حيث عاث فيها الفساد والخراب واشعل فيها اتون الحروب الظالمة والمجازر المرعبة ضد الانسان العربي الاعزل ، على مرأى من دول العالم التي تصرح وتصرخ ليل نهار بالحرية وتدعي احترامها لجميع البشر والأديان ...

من يقع عليه اللوم يا ترى أحكامنا الافاضل الذين حولتهم امريكا واسرائيل الى كلاب تلهث خلفهم دوما من اجل طلب تبركاتهم ، ام شعوبنا التي اصبحت ضحية الحرية والديمقراطية ، فخلعوا عن انفسهم رداء العزة والفخر بدياناتهم و اوطانهم وعروبتهم ليتحولوا بعد ذلك نسخة من الامريكيين  والاسرائيليين ، والتسمية المناسبة التي علينا ان نطلقها عليهم هي عربيكان و عربسرائيل  ...

اليوم اصبح العربي مهتم بتزيين شجرة الكريسماس التي هي بالاصل مرتبطة بالعبادات الوثنية في اكرام وعبادة الشجرة ، اكثر من اهتمامه بتزيين مسجده او منزله بالايات القرآنية التي تحفظه من كل شر ، وان كان علي ان اختار شجرة لازينها فسوف اختار اما النخلة او شجرة الزيتون حيث ان كلا منهما مباركتين وقد ذكرتا في القرآن ..

اليوم ايضا تركنا المساجد وابتعدنا عن الله لنتجه صوب معبد البيت الابيض المبارك و جامع الكنيست الشريف لعبادة الالهة التي يقطنون هذه المساجد ، وبعد ان كنا اعزة كما قال سيدنا عمر رضي الله عنه " نحن قوم اعزنا الله بالاسلام فان ابتغينا العزة بغيره اذلنا الله " اصبحنا اليوم اذلاء ذلك اننا ابتغينا العزة من من لا عز له ولا فخر ، كنا " خير امة اخرجت للناس جميعا " ثم تحولنا كما يسمي البعض عصرنا الذهبي هذا عصر الحضارة والثقافة الى امة بغي نعم يؤسفني ان اخبركِ اليوم اننا صرنا هكذا :

امة بغي
نستبيح هدر الدماء ...
ونثور اذا مات الصليبي
بغصة ماء ....

نمنع السجود في المساجد ،
بتهمة الارهاب ...
ونروج للصلاة في الكنيسة ،
فنسوغ الاسباب ...

نتطير من نعيق البوم و الغراب ...
ونصفق لاغاني الهيب هوب و الراب ...

نصم سمعنا عند الاذان ...
ثم نتهادى على الحان الكمان ...

اه يا امة
متى تتحرري ؟
متى تفيقي ؟

زنى العاهرة والعاهر... نعتبره تحرر لانهم مثقفين و متحضرين
لكن عندما تغتصب الطاهرة يصبح وزر عليها ليس على المغتصب نفسه ، فهي التي قامت باغرائه و اغوائه ، ولن يعتبوا على الغريزة الحيوانية التي تسيطر عليه ...

احيانا احسد زوجتي على رحيلها من هذا العالم المقرف ، فلن يستطيع قلبها المرهف على تحمل رؤية تلك المشاهد المروعة ، اعلم كم كانت ستحزن عندما ترى امهاتنا اللواتي تجاوز الشيب نصف شعرهن و غزت التجاعيد بشرتهن ذليلات في السجون الاسرائيلية ، و تلك الشابات اللاتي ما زلن يملكن عبق الورود وجمالها ، لم يسعفهن الحظ كي يتفتحن وينشرن الرائحة الزكية في الارجاء بل ذبلن وفقدن نضارتهن داخل المعتقلات حيث يضربن و يغتصبن على من لا دين لهم ولا مروءة ، بشر كانوا مشردين ذليلين في معظم دول اوروبا ، يثيرون الشغب والغوغاء بين تلك الدول حتى ضاقوا بهم ذرعا ، فقامت بريطانيا بارسالهم الى اراضينا بذريعة ان هذه الارض ( ارض اورشليم ) كما يسموها كانت ارضهم قبل ان تكون ارض العرب والمسلمين ، فبدأت حرب الابادة ضدنا منذ اكثر من نصف قرن تقريبا ، استشهد نصفنا و تشرد النصف الاخر وما بقي هناك من الفلسطينيين يعانون اليوم من المضايقات و الظلم والتعذيب الجسدي والمعنوي ، وهناك عدة افراد منا صاروا عبيد لبني صهيون تسيرهم كيفما شاءت ، فقد استطاعت اسرائيل - كما كانت تهدف منذ البداية - ان تقضي على معتقداتهم و اخر ذرة من عروبتهم ليصبحوا اسرى لنزواتهم واهوائهم غارقون من رأسهم الى اخمص قدمهم في المعصية والرذيلة وبذلك نجحت مخططات اليهود ومحاولاتهم المستمرة لهدم بنية الاسلام ...

اعتذر لكثرة ثرثرتي لكني متعب يا سيدتي ، وليس لدي من يسمعني او يفهمني سواكِ ، لا اعلم كم مر من الوقت حتى اعي انني فقدت جزءا من نفسي برحيلكِ ، لكني اليوم قد تأكدت اخيرا دون ريبة انني اكن لكِ مشاعر عظيمة ، ستودي بي الى الهلاك ، لاني اخاف ان يكون ، ربما فات الأوان و مر الزمان واصبحتِ امرأة متزوجة الان ولديكِ طفل او طفلان ، و رغم هذا اود الافضاء بما عندي ، فلا اريد ان اصبح في الخمسين من العمر او اكثر ، عندها فقط ، اعرف كم سأكون نادما لانني قبل سنوات عديدة سمحت لكي بالذهاب ، ولم امسك يدك او احثك على عدم الرحيل ، اعترف اني لم استطع البوح عندما كنت بقربي حيث كنت اراكِ كل يوم ، لان جراحي كانت اكبر من ان اخبر احدا بها ، نحن نصمت عندما ندرك حجم الوجع والخيبة ، وحين نعلم ان لا احد سيفهمنا او يهتم لآلامنا ، لكني عندما قرأت ما كتبته لي في تلك المذكرة التي اهديتني اياها على شكل رسائل يومية ، شعرت بالخجل من نفسي ومنكِ ، لانني علمت انك تعانين كما اعاني انا و ربما اكثر ...

عزائي الوحيد الذي هو يثير  السخرية والالم معا هو :  ان وطني ينزف على ايادي يهودية قذرة نستطيع ان تعاونا جميعا ان نذيقهم نفس الويلات ونشربهم السم من نفس الكأس التي اشربونا منها ، لكن ما اثار حزني هو ان وطنك ينزف على ايدي ابناءه انفسهم ، الشيء المثير للعجب والرعب و الغضب ، ان الاخوة الذين كانوا كالبنيان المرصوص يأكلون من طبق واحد و ينامون على فراش واحد و يصلون جميعا بجانب بعضهم بعضا ، باتوا اليوم يتقاتلون فيما بينهم ويتراشقون بالرصاص و المسبات والشتم واللعن بسبب تلك الجرثومة البغيضة ( الطائفية ) التي تفشت داخل العراق والتي تحملت امريكا جهد زراعتها داخل قلوب المسلمين بالتعاون مع اليهود والمجوس و منظمات ارهابية تعاني الانفصام  ومن اضطرابات دينية - نفسية  ....

سأقر لكِ بما يخالجني و سأتجرأ اليوم كي اخبركِ اني : اشتاقكِ كثيرا ...
اجل انا اشتاق الى صوتكِ المتحشرج عندما كنت تتحدثين عن جراح وطنك ، احن الى ابتسامتك التي تأسرني كل صباح لتنسيني ما اردت شرحه في تلك القاعة التي ما زالت تحتفظ بذكرياتنا العابرة داخلها والتي تشاركناها في اوقات سرورنا و حزننا ، وآه كم اتوق الان لشم رائحة عطرك الممزوج برائحة القهوة الباريسية والكروسان الحارة ...

اه يا سيدتي فقط خبريني انك بخير عندها سأكون انا ايضا بخير ، لاني لن اهتم بعد اليوم بكلفة العصير او زحمة السير ، كما تجرأتي مرة واخبرتني " انت رجل بخيل "  لاني رفضت دفع كلفة العصير في ذلك المطعم الباهظ فدفعت نصف المبلغ ، لم انسى وقتها ما قلته لكِ ولا ازال مصر على ذلك واردده وانا ابتسم بشوق كبير لتلك الذكرى :
" لو كنت اعلم كم سيكلفني ثمن كأسي العصير هذين ما اقتربت منه ولا دخلته او دعوتكِ له "
وكما تفضلتِ مرة واخبرتني اني مصاب بمرض التوحد ذلك عندما رأيت كم انزعجت من ضوضاء الناس في الشوارع المزدحمة و بعدما قمت بصم اذناي كي لا اسمح ذلك الصخب المرتفع ...

استطيع الان وبكل ثقة ان اعترف :
" اني فعلا بخيل و مصاب بالتوحد " لاني لم ادفع لك ثمن حقكِ حين اهتممتِ بي ، لم اعترف لك يومها بهذه المشاعر التي اكنها لكِ منذ ان التقيت بكِ ، و لن اقبل بعد اليوم ان انفرد بامرأة غيرك بعد الان ، نعم يا سيدتي انا بخيل عليكِ و مصاب بالتوحد بكِ ، وارى الان كيف ان باريس تبدو موحشة بعد ان غادرتها وتركتني اهيم تائها في شوارعها ، وحيدا في حدائقها ، اسيرا بين ازقتها ومبانيها ....

لكني كتبت لكِ اليوم لاخبرك باني سأعود ، ليس الى وطني بل الى وطن اخر قريب من بلادي يأوي نصف شعبي المشرد ويحمل رائحة فلسطين في كثير من مدنه ، سأغادر باريس تاركا تلك المباني والازقة التي مررنا بها يوما حتى تروي لهم جدرانها قصة حبنا التي لم نخبر احدا بها ، والاهم اننا لم نخبر بعضنا بها ربما خوفا او حرجا لا اعلم ، او ربما لم تعشقيني ، فكنت بمثابة استاذ - صديق لك فقط ، علاقة صداقة واحترام تجمع بين استاذ و طالبته لا اكثر من ذلك ...
حسنا اذا لندع تلك الجدران تتكفل باخبارهم عنا ، وان زرتِ باريس يوما ستخبرك ايضا ، لكني اشعر بالقلق والتوتر ، ماذا لو أخبرتكِ ولم تهتمي ،ماذا لو كنتِ مع زوجك و نسيتِ ذكرانا وقصتنا التي خبأتها داخل زوايا قلبي لاحيا منك و بك ، امتلأ شوقا من صورك وابتسامتك ، واقتل ضمأي من شرب صوتك الذي يقطر كحبات ندى في اذني ... أعدك اني سأحتفظ بذكرى قصتنا وربما سأكتبها عندما اصل الى الاردن ... سأكون اذا على موعد مع ورقة و قصة تكتب على سحر رائحة القهوة العربية المرة ...